سلوك ترامب يهدد الأمن العالمي

A+
A-
مسيرة في العاصمة الفنزويلية كراكاس يوم 7 يناير 2026 دفاعا عن السيادة الوطنية. وطالبت بالإفراج عن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته. (شينخوا)

مسيرة في العاصمة الفنزويلية كراكاس يوم 7 يناير 2026 دفاعا عن السيادة الوطنية. وطالبت بالإفراج عن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته. (شينخوا)

منذ أن اعتلى دونالد ترامب سدّة الحكم في دورته الحالية، فكّر أنه يستطيع أن يتصرّف حسب أهوائه وكما يريد ولم يحسب حسابًا لأحد، وأخذ يضرب يمينًا ويسارًا، وفي أول جنونه وعنجهيته المبالغ فيها أعلن أن دولة كندا يجب أن لا تبقى دولة ويجب أن تُضمّ إلى الولايات المتحدة، وكذلك غرينلاند يجب أن تُضمّ أيضًا لحضرته، وفي الوقت نفسه بدأ يتحرّش بالمكسيك، وبعد ذلك بالصين، وفي الأكثرية المطلقة من دول العالم، حيث أراد فرض ضرائب خيالية على جميع هذه الدول وكأنه هو الآمر الناهي في هذا العالم، وكل هذا نتيجة لاستعلائه وغروره المبالغ فيه.

ولأنه لا يفهم معنى الوطن، أراد أن يرحّل أهل غزّة من وطنهم أو إبادتهم بالتعاون مع حليفه نتنياهو، والذي لا يقلّ عنه غرورًا، من أجل إقامة (ريفيرا جديدة) على أراضي شعب غزّة وكأن غزّة هي ملكه الشخصي، ولكنه فشل في كل هذا فشلًا ذريعًا.

في الواقع، إنه نجح في قضية واحدة، وهي قيامه بالعمل الإجرامي، وهو تدمير قطاع غزّة، من مبانٍ ومدارس وجامعات ومستشفيات وبيوت العبادة، وإبادة أكثر من سبعين ألف إنسان وأكثر من مائتي ألف إنسان مصاب ومشوّه في قطاع غزّة، بالأسلحة التي يدعم بها حكّام إسرائيل لتنفيذ مثل هذا (العمل الوسخ) عن الغرب، كما صرّح نتنياهو في الأمم المتحدة.

بالرغم من كل هذه الأعمال الإجرامية، إلّا أن شعب غزّة بقي متمسّكًا بأرضه ووطنه، فهذا الشعب كل ما يريده هو زوال الاحتلال والحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة إلى جانب دولة إسرائيل، ولم ولن يرضى عن ذلك بديلًا، لأن الشعب الفلسطيني بالرغم من إمكانياته المحدودة، فإنه يؤمن بعدالة قضيته، وهذا هو سرّ قوته التي يعتمد عليها.

بالرغم من كل الأعمال الإجرامية التي ارتكبها وما زال يرتكبها ترامب، جاء اليوم ليتّهم الآخرين بالإرهاب، وهو الذي مارس الإرهاب وما زال يمارسه ضد دولة مستقلة مثل فنزويلا، هذه الدولة التي حرّرت نفسها من الاستعمار الإسباني أولًا، وبعدها حرّرت نفسها من الهيمنة الأمريكية منذ عقود، وبدعم من شعبها بقيادة القائد الثوري المميّز هوغو شافيز، والذي ورثه القائد الثوري مادورو، هذا القائد الذي انتخبه شعبه بأكثرية واضحة بانتخابات شرعية وديمقراطية. واليوم يدّعي ترامب بأن مادورو غير شرعي. في اعتقادي أن غير الشرعي هو بالذات ترامب، وأن الجميع يعرف جيدًا الأساليب غير الشرعية التي عمل بها من أجل الفوز في الانتخابات. مادورو لم يصرف مئات الملايين من أجل الفوز كما صرفت أنت يا حضرة رئيس الإرهاب في العالم.

إن التصرفات والأساليب العدوانية التي يمارسها ترامب عالميًا، وبشكل خاص في هذه الأيام ضد دولة مستقلة مثل فنزويلا، من خلال التهديد بغزوها ومصادرة حاملات النفط المرسلة إلى كوبا وفرض حصار على فنزويلا، عمليًا هذا هو الإرهاب بعينه. آخر إنسان يحقّ له أن يتّهم الآخرين بالإرهاب هو أنت يا ترامب، لأنك شيخ الإرهابيين. إيش أيضًا يطلب اليوم من فنزويلا؟! يطالبها بإعادة النفط الذي كانت تستخرجه الشركات الأمريكية عندما كانت أمريكا مهيمنة على فنزويلا. هذه الشركات التي كانت تنهب خيرات فنزويلا، والتي أُمّمت بعد الثورة البوليفارية وعادت للشعب الفنزويلي.

إن هذا التصرف من قبل ترامب يشبه تصرّف قطاع الطرق والزعران الذين يطالبون بالخاوة. هذا السلوك الإرهابي وغير الإنساني وغير القانوني مرفوض من قبل كل الشعوب الحرة، بما فيها الشعب الفنزويلي وحكومته الثورية، حيث إنهم يقفون موحّدين ضد جميع مخططات الولايات المتحدة وجنون رئيسها، ومعهم جميع قوى السلام والتقدم في العالم، وكذلك حلفاؤهم وأصدقاؤهم من الدول المتحررة والوطنية في أمريكا اللاتينية والصين وروسيا. وهاتان الدولتان أعلنتا بشكل واضح رفضهما لمثل هذا السلوك العدواني، وفي الوقت نفسه الذي يشكّل خطرًا جديًا على السلم العالمي، وأن فنزويلا حليفة لهما، وأن المشاكل تُحلّ فقط بالمفاوضات. كذلك الرئيس البرازيلي رفض هذا التصرف واتصل مع الرئيس ترامب وطلب منه وقف الأعمال العدوانية، وأنه ممكن أن يكون وسيطًا لحل المشاكل العالقة بين البلدين.

لا يمكن لأي دولة في العالم، مهما كانت عظمتها، أن تفرض على أي دولة تحترم نفسها وتتمتع بالكرامة الذاتية والوطنية أسلوب حياتها في وطنها. إن ترامب لا يستطيع أن يحقّق أحلامه المجنونة هذه نتيجة لثقة الشعب الفنزويلي بنفسه وحقه المطلق في خيرات شعبه ووطنه.

إن ترامب يريد إحياء الاستعمار القديم، ولكن الاستعمار القديم قد ولّى عهده. وأقول أيضًا إن الذي يفكّر سياسيًا بعقلية التاجر وعقلية الاستعمار القديم فهو في الواقع لا يفهم جيدًا بأن هناك تغيّرات جدية في موازين القوى العالمية، وأن الذي جرى في ما سُمّي في ذلك الوقت (بالربيع العربي)، والذي سُمّي من قبل قوى السلام والتقدم والقوى الوطنية في العالم العربي (بالخريف العربي)، فإن هذا لن يمرّ اليوم، خاصة في دول أمريكا اللاتينية، حيث إن هناك عددًا من الدول الوازنة قد تحرّرت من الهيمنة الأمريكية وأصبحت أكثر وعيًا وأكثر استعدادًا للمواجهة لأي قوة مهما ادّعت القوة والعظمة، لأنهم يؤمنون بحقهم بالعيش بكرامة.

إن جمهورية فنزويلا أُقيمت في سنة ١٨٣٠ بعد أن تحرّرت من الاستعمار الإسباني في ذلك الوقت، وبعدها بدأت الهيمنة الأمريكية على هذا البلد، وكانت قد استمرت حتى انتصار الثورة البوليفارية وانتخاب هوغو شافيز في سنة ١٩٩٨ لرئاسة الجمهورية الفنزويلية. ومنذ ذلك الوقت لم يتوقف التآمر على هذه الثورة الوطنية التي بدأت تسير في طريق الاشتراكية. إن الولايات المتحدة الأمريكية قد اكتشفت البترول في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، وهذه الشركات بقيت مسيطرة على هذه الخيرات في هذا البلد، والتي من الضروري أن تعود لشعبها. وعندما جاءت الثورة البوليفارية فقد استعادت خيراتها، وبشكل خاص النفط وغيره من الخيرات، للشعب الفنزويلي نفسه، وهي عمليًا تملك مخزون نفط كبير بمستوى عالمي.

اسمعوا ما صرّح به الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو بكل تحدٍّ وجرأة، حيث يربط مصير نفط فنزويلا بمصير الجنوب الأمريكي، حيث يقول: (إن تكساس أرض محتلة لم تُبع ولكنها احتُلّت، وينطبق الأمر نفسه على كاليفورنيا وكامل الولايات المتحدة الجنوبية). ويضيف: أقول دعونا نبرم اتفاقًا يعيدون لنا ما أخذوه منا، ونعيد ما أخذناه منهم (كما يعتقدون)، رغم أننا لم نأخذ منهم شيئًا، لذلك دعونا نتوجه إلى طاولة المفاوضات من خلال الحوار وعلى قدم المساواة، لا بصواريخ موجّهة نحو الفقراء.

من مهازل القدر أن يعلن ترامب أن نظام مادورو يهدد الأمن القومي الأمريكي، وهو الذي يهدد الأمن القومي الفنزويلي والعالمي معًا.

هل ما جرى في فنزويلا من اختطاف رئيس جمهورية فنزويلا وزوجته يعيد الأمن القومي الأمريكي؟!

الواقع يقول إن هذا هو أسلوب الزعرنة والقرصنة الدولية التي ينتهجها ترامب. إن جميع تبريرات ترامب كاذبة، وله هدف واحد وأساسي، هو وضع جميع خيرات فنزويلا تحت سيطرة الشركات الأمريكية وإعطاء الفتات منها. وهو وحاشيته كشفوا هذا الكذب في مؤتمرهم الصحفي الذي عقدوه بعد عملهم الإجرامي الذي جرى على الأراضي الفنزويلية، وكان واضحًا جدًا عدوانيتهم وكذبهم فيما ما يُسمّى بالمخدرات. وها هو يحضّر من سيحكم هذا البلد، وكيف ستعود الشركات الأمريكية لنهب النفط والمعادن بمختلف أشكالها في فنزويلا، وكيف سيُكرم عليه بجزء منها. وفي المؤتمر الصحفي أيضًا كذبوا على لسان ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو، بأنهم تكلّموا معها وأنها مستعدة للتعاون معهم، لكنها بعد مؤتمرهم حالًا ومباشرة عقدت مؤتمرًا صحافيًا خاصًا بها قالت فيه إن هناك رئيسًا واحدًا للبلاد هو مادورو، ونطالب بإطلاق سراحه حالًا، ونحن لن نقبل بأن نكون عبيدًا أو مستعمرين لأي إمبراطورية. وأضافت: نحن لم نرفض المفاوضات على أساس المساواة، لن نقبل الإملاءات من الآخرين.

ترامب يريد أن يُحاكم مادورو! لكن وحسب القانون الدولي والإنساني فهو الذي يجب أن يُحاكم لقيامه بأعمال بلطجة ضد دولة مستقلة. بل أكثر من ذلك: يجب أن يُحاكم ترامب أيضًا على جنايات أخلاقية، يجب أن يُحاكم على الاغتيالات التي نفّذها في العالم سابقًا، ويجب أن يُحاكم على وقاحته في تهديده لدول أخرى مثل كوبا وكمبوديا والمكسيك وإيران وحتى البرازيل، لأنه يتصرّف كالزعران وقطاع الطرق. مادورو يُحاكم من قبل الأمريكيين لأنه يدافع عن وطنه وخيرات وطنه، وترامب الذي أعلن أمام العالم كله بأنه يريد الهيمنة على فنزويلا لنهب خيراتها، هذا هو قانون الغاب الذي يريد ترامب أن يُسوّقه عالميًا، وبدعم من صديقه نتنياهو، مثل ما يقول المثل (من على شكله شكشكله).

من الصعب الحكم في مثل هذه المرحلة الحالية على النتائج، ولكن باعتقادي بأن جنون ترامب لن يمرّ، وأن المنتصر النهائي هو الشعب الفنزويلي وكل قوى السلام والتقدم في هذا العالم الذي نعيش فيه، لأن الشعوب تريد أن تتنفس في حياتها الهواء النقي وليس وسخ الزعران.

في النهاية أودّ أن أقول إن هناك محللين سياسيين يضعون الحقّ على مادورو، وفي الوقت نفسه ينسون أو يتناسون بأن أمريكا الاستعمارية هي بالذات التي فرضت الحصار على الثورة البوليفارية حتى يومنا هذا. ألم تفهموا من ترامب أن المخدرات ليست مهمة؟! والإثبات الأكثر وضوحًا على ذلك هو أن ترامب أفرج هو نفسه بأمر رئاسي عن أكبر تاجر مخدرات الذي أُلقي القبض عليه وهو متلبّس بالجريمة وسُجن لسنوات طويلة، خوان أورلاندو هيرنانديز والذي كان رئيسًا لجمهورية هندوراس.

كل هذه الاعترافات والأعمال الإجرامية التي ارتُكبت وما زالت تُرتكب بحق الشعب الفنزويلي من قبل حكّام أمريكا، وتلومون الضحية يا مثقفين؟!

عرّابة البطوف

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل