لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

A+
A-
مظاهرة ضد العدوان الأميركي على فنزويلا، في نيقوسيا بقبرص، في 5 كانون الثاني/يناير 2026 (شينخوا)

مظاهرة ضد العدوان الأميركي على فنزويلا، في نيقوسيا بقبرص، في 5 كانون الثاني/يناير 2026 (شينخوا)

منذ عملية القرصنة الدولية التي نفذتها القوات المسلحة الأمريكية بخطفها رئيس فنزويلا، تكاثرت في الإعلام تعليقات تؤكد على طعن دونالد ترامب بمبادئ السياسة الخارجية التي أعلنها عند نقده لاحتلال العراق وأفغانستان، وهما الاحتلالان الفاشلان المدرجان في خانة حروب «تغيير النظام». بل ذهب بعض المعلقين إلى حد تشبيه إدارة ترامب بـ«المحافظين الجدد» الذين لعبوا دوراً أساسياً في إدارة جورج دبليو بوش خلال ولايته الأولى، وعلى الأخص في الإشراف على احتلال العراق. والحقيقة أن الزعمين بعيدان جداً عن الحقيقة وينمّان عن سوء فهمٍ لما تفعله إدارة ترامب إزاء فنزويلا، وتجاهلٍ للفرق الكبير بين فعلها هذا وما فعلته إدارة بوش في العراق.

ذلك أن سياسة «تغيير النظام» تقوم بالدرجة الأولى على احتلال بلد ما، مصحوباً ليس بإسقاط حكامه وحسب، بل بتفكيك كافة مؤسسات النظام فيه والإشراف على استبدالها بمؤسسات جديدة تناسب المحتل. وهذا بالضبط ما فعلته واشنطن في العراق: قامت قواتها باحتلال البلد، ولم تكتف بإسقاط صدام حسين، بل فككت كافة مؤسسات نظامه السياسي تحت عنوان «اجتثاث حزب البعث»، وذهبت في الأمر إلى حد حلّ الجيش العراقي وتسريح أفراده. وبموازاة ذلك، عمدت سلطات الاحتلال إلى بناء مؤسسات بديلة على غرار ما كانت تفعله السلطات الاستعمارية قبل قرن. والحال أن هذه المؤسسات لا تزال قائمة في العراق، وقد استبدلت النظام الاستبدادي الغاشم بنظام برلماني فاسد، لكنه، والحق يُقال، أكثر حرية وديمقراطية من سواه في المنطقة.

في حينه كانت الدول العربية، والمملكة السعودية في المقام الأول، ممتعضة جداً من فعل إدارة بوش، إذ خشيت أن إسقاط النظام البعثي وإحلال نظام برلماني محله سوف يُتيحان لإيران الهيمنة على العراق بحكم تركيب البلد الطائفي والسياسي، وهذا بالضبط ما حصل، ناهيك من أن قيام نظام برلماني على ضفاف الخليج من شأنه أن يشكل مصدر قلق لنظام إقليمي قائم على الحكم المطلَق. وبالطبع، كان احتلال العراق فشلاً ذريعاً ليس من حيث فشل «تغيير النظام»، إذ لا زال حياً النظام الذي كانت واشنطن قابلته، بل من حيث إخفاق الاحتلال في صون نظام تابع لواشنطن على غرار تبعية اليابان وألمانيا الغربية للولايات المتحدة إثر الحرب العالمية الثانية، وهما النموذجان اللذان احتذى بهما «المحافظون الجدد». وقد بات العراق ساحة لصراع نفوذ بين الولايات المتحدة وعدوتها الإقليمية اللدود، إيران.

عوضاً عن كل ذلك، حاولت المملكة إقناع إدارة بوش بالاكتفاء بإسقاط صدام حسين وعقد اتفاق مع الجيش العراقي كي تبقى المؤسسة الحاكمة سالمة، مع تغيير نهجها في اتجاه يُرضي مصالح الولايات المتحدة ويلبّي رغبات واشنطن. إلا أن المملكة لم تفلح في محاولتها، وحصل ما حصل. والحقيقة أن السيناريو الذي دعت إليه الرياض هو بالضبط ما تحاول إدارة ترامب تحقيقه في فنزويلا، حيث تسعى لـ«تغيير سلوك النظام»، وليس «تغيير النظام»، على حد تعبير مايك جونسون، رئيس مجلس النواب الأمريكي وحليف ترامب.

لذا اكتفت واشنطن بخطف الرئيس الفنزويلي وقرينته بينما كانت ولا تزال تتفاوض مع ممثلين آخرين للنظام القائم، على رأسهم نائبة الرئيس التي حلّت الآن محله. وقد أكد ترامب أن النظام الفنزويلي القائم سوف يلبّي رغبات إدارته، وإلا فسوف يتعرّض لضربات عسكرية جديدة. ويمارس الرئيس الأمريكي سياسة «العصا والجزرة» المعروفة، إذ يُقرن وعيده وتهديده بوعد بالازدهار الاقتصادي وتدفق الدولارات على فنزويلا وشعبها. أما إذا كانت هذه السياسة سوف تفلح، فأمر غير مؤكد على الإطلاق، سواء بسبب ما يجري في فنزويلا أو بسبب ما يجري داخل الولايات المتحدة بالذات من مناهضة لنهج ترامب وزمرته الحاكمة.

يبقى أن الفرق عظيمٌ بين ما قامت به واشنطن في فنزويلا حتى الآن وسياسة «تغيير النظام» البوشية: فليس فقط أن ترامب لم يدّع بتاتاً أن غاية عملية القرصنة التي أمر بها هي إحلال الديمقراطية، ولم يدْعُ حتى إلى إجراء انتخابات حرة في البلاد، بل صرّح أن زعيمة المعارضة، التي نالت جائزة نوبل للسلام الأخيرة بدلاً منه (في ظنه) والتي كانت الحكومات الغربية حتى الآن تعتبرها الأحق بحكم فنزويلا ديمقراطياً، لا تنعم بتأييد ولا باحترام في بلدها، وأنها بالتالي غير جديرة بالحكم.

والحقيقة أننا دخلنا مع دونالد ترامب في عصر الإمبريالية ما بعد الأيديولوجية: أي أن الرئيس الأمريكي الراهن لا يحاول بتاتاً أن يغلّف أطماعه الإمبريالية بغلاف أيديولوجي من القِيَم النبيلة، سواء أكانت «الرسالة الحضارية» التي ادّعت الدول الإمبريالية العمل بوحي منها في استعمارها للبلدان «الهمجية» في القرن التاسع عشر، أو «الحرية والديمقراطية» اللتين كانت الدول الإمبريالية الغربية تزعم أنها تسعى لإحلالهما في البلدان التي أخضعتها، أو «الاشتراكية» التي باسمها فرض الاتحاد السوفييتي مشيئته على بلدان أوروبا الشرقية. فإن ترامب لا يلبّك نفسه بمثل تلك المزاعم، بل يعلن صراحة أنه يعمل بدفع من المصالح المادية، ليس إلا، وذلك ضد أي كان ومهما كان صنفه الأيديولوجي، أكان خصماً «اشتراكياً» على طريقة فنزويلا أو حليفاً «أطلسياً» على غرار الدانمارك، التي يحاول ترامب إكراهها على تسليمه غرينلاند.

وسلوك ترامب هذا منسجم تماماً مع العصر النيوفاشي الذي يمثله هو في المقام الأول، إذ إن سياسته، شأنها في ذلك شأن سياسة هتلر في القرن الماضي، تنطلق بصراحة من «أمريكا أولاً» («ألمانيا فوق كل شيء في العالم») لتعيّن ما تراه مصالح أمريكا الحيوية أينما كانت، وكذلك «مجالها الحيوي» في نصف الكرة الأرضية الغربي، بما يشمل كندا وبناما وسواهما، علاوة على غرينلاند.

عندما وصل هتلر إلى الحكم في عام 1933 أعلن تدشين «إمبراطورية ألف عام»، فلم تتعدّ إمبراطوريته إثني عشر عاماً. فلنأمل أن يكون عمر إمبراطورية ترامب أقصر بكثير وأن تبدأ بالتقهقر في هذا العام الجديد، الثاني من ولايته الثانية.

كاتب وأكاديمي من لبنان، يُنشر المقال بالاتفاق معه

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-07 17:59:14

كلمة تقدير أكثر من شكر مستحق

featured
جلبير الأشقرج
جلبير الأشقر
·2026-01-07 16:38:38

لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-07 10:38:53

تسفي برئيل: المسار من قرية الترابين إلى حرب أهلية يمرّ عبر بن غفير

featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا