في أعقاب رشقات الصواريخ التي أُطلقت ليلة الخميس، اضطر آلاف من سكان القرى البدوية مسلوبة الاعتراف بها في النقب إلى الفرار من منازلهم والاحتماء تحت الجسور، داخل أنفاق، أو في مبانٍ مهجورة، في ظل غياب تام للملاجئ والتحصينات. في الوقت الذي دعت فيه السلطات الإسرائيلية المواطنين إلى البقاء قرب مناطق محمية، تُركت عشرات العائلات البدوية، بينها أطفال ونساء ومسنّون، دون أي وسيلة حماية. وجمع تقرير لصحيفة هآرتس شهادات تكشف طبيعة هذه المعاناة التي مر بها أهالي القرى مسلوبة الاعتراف الليلة الماضي في ظل غياب البنية التحتية للحماية.
ووفق التقرير/ في ليلة الخميس، حين مزّقت صفارات الإنذار صمت البلاد، وجد محمد الحصوني نفسه من جديد ممسكًا بأطفاله، يركض بهم نحو العتمة. لم يتّجه إلى غرفة محصنة ولا إلى ملجأ، بل إلى الأنفاق تحت الشارع الرئيسي القريب من منزله. وفي طريقه إلى هناك، داخل سيارته المكتظة، كان يُحصي أبناءه مرارًا ليتأكد أن لا أحد منهم فُقد. أكثر من عام مضى منذ أصيبت ابنته أمينة – التي كانت في السابعة من عمرها – إصابة بالغة بشظية اخترقت سقف بيتهم في قرية الفرعة غير المعترف بها. أمينة كانت الجريحة الوحيدة بين في إسرائيل تلك الليلة، ليس صدفة، بل بسبب عنوانها. لا ملاجئ، لا بنى تحتية، ولا اعتراف رسمي. "لو كان هناك تحصين، لما حدث ذلك"، يقول محمد بحسم.
أحداث الليلة الماضية أعادت إليه الكابوس. مشهد ركضه بأطفاله نحو السيارة هربًا من النيران، وأمينة التي بقيت للحظة قرب الباب… ثم جاءت الشظية. بيتهم مبني من الإسمنت كسائر بيوت القرية، لكن سقفه من الصفيح. الشظايا اخترقت السقف وأصابت رأس أمينة مباشرة. ومنذ ذلك الحين، تغيرت حياة العائلة. أمينة، التي بدأت تتعافى ببطء، ما زالت على كرسي متحرك.
اليوم، تسكن أمينة ووالدتها شقة صغيرة مستأجرة في مدينة عراد، فقط لتوفير بيئة مناسبة للتنقل بكرسيها المتحرك، كما يقول والدها. قرب بيتهم القديم في القرية وضِعت غرفة حماية(غرفة إسمنتية صغيرة) واحدة، لكنها ليست من الدولة، بل بتبرع خاص، وهي صغيرة لا تكفي لعائلة كاملة. "القلق لا يزال مسيطرًا"، يقول محمد. "كانت ليلة صعبة، عدنا للأنفاق. والأطفال ما زالوا هناك حتى خلال النهار. لا نملك حلاً آخر".
فجر الخميس، حين أوصت الدولة مواطنيها بالبقاء قرب الملاجئ، ومع انطلاق صفارات الإنذار، كان سكان القرى البدوية – حتى المعترف بها لكنها غير منظمة، كقرية أبو تلول – يبحثون عن مأوى تحت الجسور، في قنوات المياه، أو في مبانٍ مهجورة في أنحاء النقب. بعضهم فرّ إلى مواقف السيارات تحت الأرض في بئر السبع وبقوا هناك حتى الصباح، وآخرون لم يجدوا بدًّا من قضاء الليل في العراء. بعضهم نظّف غرفًا مهجورة لينام فيها. لا أحد قدّم لهم المساعدة – لا دعم نفسي للأطفال، ولا إجراءات للحماية.
حين بدأت الصواريخ تتساقط أمس، كان إبراهيم الغريبي، من سكان قرية السر غير المعترف بها – وهي قرية بدأت الدولة فعليًا في هدمها – يتجول بين البيوت المدمرة محاولًا تهدئة الأجواء. "كان هناك فقط صراخ أطفال، صرخات فعلية"، يقول. "مهما حاولت التهدئة، لم أنجح. الجميع ظل مستيقظًا. هناك من فرّ إلى الجسور، إلى الحفر، إلى أي مكان ممكن، لكن الكثيرين بقوا في العراء وقالوا: 'سنموت هنا، لا خيار لدينا'". ويضيف: "الناس في تل أبيب لديهم غرف محصنة، ومع ذلك لم تنفعهم كثيرًا. نحن بلا حماية على الإطلاق، ونحن مواطنو الدولة. لا يمكن للدولة الاستمرار بتجاهلنا – هذه حياتنا. عليها أن تتحمّل المسؤولية".
أميرة أبو الدوبة، من سكان أبو تلول، وتعمل كميسّرة ورشات علاج نفسي لصدمات في المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها، تصف ليلة الخميس–الجمعة بأنها لحظة انهيار. "كانت صفارة إنذار، فذهب الناس إلى المدارس رغم أن معظمها غير محصّن"، تقول. "لكن الشعور هو أنه ما دمت داخل مبنى من الإسمنت – حتى لو لم يكن غرفة آمنة – فأنت أكثر أمانًا. بيوتنا من الصفيح، وهذا رعب حقيقي". هي نفسها، رغم كونها تقدم الدعم النفسي، حاولت تهدئة السكان، لكنها شعرت أن الكلمات لا تنفع. "في تلك اللحظات، لا أحد يسمع"، تقول. "ما يحتاجونه فقط هو مكان آمن، منظم، يمنحهم ملاذًا. نحن مواطنو الدولة، لكننا لا نشعر أن الدولة ترانا". في أبو تلول، عثروا أخيرًا على غرفة إسمنتية مهجورة. "تنفّس الأطفال الصعداء"، تروي، "لكننا جميعًا نعرف أن هذا ليس ملجأ. لا يوفر الأمان حقًا".
في الثالثة فجرًا، حين ظهرت على الهواتف المحمولة رسالة الطوارئ: "ابقوا قريبين من مساحة محمية"، ساد الصمت في قرية بئر المشاش. في تلك اللحظة، كانت عشرات العائلات تعرف أنها لا تملك أي مكان تذهب إليه. "الضغط لا يوصف"، تقول ليلى فريجات، من سكان القرية. "كان هناك شعور في الجسد بأن شيئًا سيئًا سيحدث. لم ننتظر – جمعنا الأغطية، الأطفال، الجدّات، وركبنا السيارات. انطلقنا جميعًا إلى بئر السبع، إلى موقف سيارات تحت الأرض. هناك نمنا، أو بالأحرى تمددنا مستيقظين حتى الثامنة صباحًا – على الأرض، داخل السيارة، مع رُضّع ونساء ومسنّات".
بين رهط ومفرق كاما، على أراضي قرية صغيرة غير معترف بها تُدعى دحية، كان عدنان أبو وادي واقفًا أمس قرب الغرفة المحمية الوحيدة في القرية: كتلة إسمنتية وحيدة أُحضرت بتبرعات، ربما يُفترض بها أن تنقذ، لكنها بالكاد تتسع. أمامها، وقفت بصمت نساء وأطفال صغار، بعضهم حفاة، يحدّقون في الباب المفتوح. "هذه مِحميّة واحدة، بُنيت العام الماضي بأموال من أشخاص طيبين، لا من الدولة، وهي لا تكفي حتى لعائلة واحدة"، يقول أبو وادي لـ"هآرتس"، مضيفًا أنه تقرر إدخال الأطفال والنساء أولًا. "حتى هذا لم يكن بسيطًا. زوجتي قالت إنها دفعت نفسها إلى الداخل بالقوة. الداخل خانق، لكن الخارج مرعب بسبب الصواريخ".
قبل دقائق من حديثه، وصلت مجددًا تلك الرسالة التي يعرفها الجميع: "ابقوا قرب مساحة محمية". لكن حين لا يكون هناك ملجأ، فهذه الرسالة ترفع منسوب القلق لا أكثر. "يرسلون لي تنبيهًا لا أستطيع أن أفعل به شيئًا سوى الدخول في حالة هلع"، يقول. "أخرج لأجد نساء واقفات بالخارج، طفل رضيع في الأيدي، وأطفال صغار يقفون بصمت، وكأن المِحميّة تُشع أمانًا، حتى لو لم يكن لهم مكان بداخلها". لكن بالنسبة لعدنان، الخوف لا يأتي فقط من التهديد الإيراني. "نحن نعيش بين تهديدين وجوديين"، يقول. "الأول لا يأتي من الخارج، بل من الحكومة – حكومة نتنياهو وبن غفير. لقد وضعوا بيوتنا على قائمة الهدم. نحن نحارب على كل جدار، على كل عمود إسمنت، في المحاكم". والتهديد الثاني هو الصواريخ. "لا نملك ملجأ. نحن غير مرئيين. لا أحد يعاملنا كمواطنين إسرائيليين. كل ما يعرفونه هو الهدم، لا الدعم، لا تقديم المساعدة النفسية، لا إرسال فرق الطوارئ. لا شيء. كل شيء صعب".
يتوقف لبرهة، يحدّق في مجموعة الأطفال الذين عادوا للتجمّع قرب المِحميّة. "نحن فقط نريد أن نعيش بأمان مثل الجميع"، يقول – جملة تكررت على لسان كل من تمت مقابلته.






