نشر مركز بتسيلم أمس الثلاثاء، تقريرًا بعنوان "جهنّم على الأرض" هو استمرارٌ لتقرير "أهلًا بكم في جهنّم" الذي نشرته "بتسيلم" في آب 2024، وهو يستند إلى التحليل والبحث المعمَّق الذي اُجرِي آنذاك وإلى معطيات مُحدَّثة وإفادات جديدة تم جمعُها من 21 أسيرًا فلسطينيًا أُطلق سراحهم من سجون الاحتلال في الأشهر الأخيرة.
كما يستند التقرير، أيضًا، إلى عمل منظمات لحقوق الإنسان، إسرائيلية ودولية.تُبيِّن المعطيات المُحدَّثة أن مراكز الاحتجاز لا تزال تعمل كشبكة من معسكرات التعذيب للفلسطينيين وأنه لا تزال يجري فيها، بل وبشكل متزايد، ممارسات تنكيلية منهجيّة تشمل العنف الجسدي والتنكيل النفسي، الظروف غير الإنسانية، التجويع ومنع العلاج الطبيّ، مما أدى إلى العديد من حالات الاستشهاد. يروي بعض الشهود أيضًا عن التنكيل والعنف الجنسيّين اللذين تعرضوا لهما أو كانوا شهودًا عليهما. إنّ تحويل مراكز الاحتجاز إلى شبكة من معسكرات التعذيب هو جزء من الهجوم المخطط والواسع النطاق الذي يقوده النظام الإسرائيلي ضد المجتمع الفلسطيني، والذي يهدف إلى تفكيك وتدمير.
ويأتي نشر التقرير في أعقاب سلسلة من الشهادات والتقارير خلال العامين الأخيرين، التي تشير إلى تدهور ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين. وروى محمد أبو طويلة (35 عامًا) من غزة، أنه خلال التحقيق معه أطفأ الجنود سجائر على جسده، وسكبوا عليه حمضًا، وأحرقوا ظهره بولاعة.
كما أفاد أسير آخر، احتُجز في معتقل عوفر وسجن كتسيعوت: "في التحقيقات كانوا يأخذونني إلى غرفة تُسمّى ‘غرفة الديسكو’. لمدة ستة أيام كنت أتلقى للشرب غطاء قارورة ماء واحدًا فقط في اليوم، وللطعام خيارة واحدة وقطعة خبز فاسدة داس عليها الجندي قبل أن يعطيني إياها. تعرضت للضرب المتواصل، وأحيانًا للصعق الكهربائي".
وأضاف:"كنت أجلس على كرسي حديدي من الصباح حتى الليل. خارج الغرفة كان هناك مكبر صوت ضخم يبث أغانٍ بالعبرية بصوت لا يُحتمل، حتى تمزق طبلة أذني ونزفت أذني".
كما شهد بأنه، بسبب عدم وجود مرحاض في الغرفة، اضطر إلى التبول داخل ملابسه.
وأشار التقرير إلى سجن أيالون، حيث يقع قسم ركيفت، موضحًا أن الأسرى محتجزون فيه تحت سطح الأرض، ومن دون أي وصول إلى ضوء النهار.
ووفقًا للتقرير، يبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين، في سجون مصلحة سجون الاحتلال حاليًا نحو 9,000 أسير. الغالبية العظمى منهم لم تُقدَّم ضدهم لوائح اتهام، بل يُصنَّفون ضمن إحدى ثلاث فئات: موقوفون قبل المحاكمة، معتقلون إداريون، و"مقاتلون غير قانونيين"، وهو تعريف قانوني إسرائيلي غير معترف به في القانون الدولي، يهدف إلى احتجاز مشتبهين من غزة من دون منحهم حقوق المعتقلين الجنائيين أو أسرى الحرب.
ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 استشهد 84 أسيرًا فلسطينيًا، بينهم قاصر واحد، فيما تواصل إسرائيل احتجاز جثامين 80 منهم. كذلك، تمنع إسرائيل منذ بداية الحرب، طواقم الصليب الأحمر من زيارة السجون، ولم يُلزمها قرار من المحكمة العليا حتى الآن بالسماح بذلك.
وسلّط التقرير الضوء بشكل خاص، على قسم ركيفت في سجن أيالون، الذي أُغلق في ثمانينيات القرن الماضي، بسبب قسوة ظروف الاحتجاز فيه، ثم أُعيد فتحه بأمر من وزير ما يسمى بـ "الأمن القومي" الفاشي إيتمار بن غفير. ووُصف القسم بأنه "الأسوأ في مصلحة السجون"، نظرًا لوقوعه تحت سطح الأرض، وحرمان الأسرى فيه كليًا من رؤية ضوء النهار.
وتُظهر معطيات نشرتها منظمة أطباء لحقوق الإنسان، أن 67% من أصل 349 أسيرًا زارتهم المنظمة تعرضوا لحادثة واحدة على الأقل من العنف الشديد داخل مراكز الاحتجاز.
وأفاد تامر قرموط (41 عامًا) من بيت لاهيا، بتعرضه لتكبيل مؤلم لفترات طويلة، مشيرًا إلى أن الأصفاد كانت مشدودة إلى حد تآكل الجلد واللحم حتى العظام. وقال: "كان الألم حادًا ومستمراً. وعندما تدهورت حالتي، نقلني الجنود إلى مكان عالجتني فيه طبيبة. أمضت يومًا كاملًا في تصريف كميات كبيرة من الدم الملوث والجلطات".
ووفقًا للتقرير، يعاني ربع الأسرى من مرض الجرب (السكابيوس). وروى جبريل الصفدي (45 عامًا)، وهو مريض سكري اعتُقل في معسكر سديه تيمان، أنه بعد يوم واحد من وصوله، بدأ يشعر بآلام شديدة في قدميه. وقال: "تدريجيًا فقدت القدرة على الوقوف، واستيقظت لأجد نفسي ممددًا في بركة كبيرة من الدم. كنت في حالة صدمة، نظرت إلى قدميّ ورأيت أنهما مصابتان وتنزفان".
وبحسب شهادته، فإن الضرب الذي تعرض له على الكليتين فاقم مرضه، وفي النهاية اضطر الأطباء إلى بتر ساقه اليمنى. وأضاف أنه، رغم عملية البتر، استمر في الخضوع لتحقيقات قاسية شملت التعذيب، إلى أن أُفرج عنه في إطار صفقة تبادل الأسرى.
كما يتضمن التقرير شهادات إضافية حول نقص مياه الشرب النظيفة، وهي مسألة ذُكرت أيضًا في تقارير سابقة للدفاع العام.
قالت يولي نوفيك، المديرة العامة لمنظمة بتسيلم، إن: "مرافق الاحتجاز الإسرائيلية تحولت إلى شبكة من معسكرات تعذيب، كجزء من الهجوم الواسع والمنهجي الذي يقوده النظام الإسرائيلي ضد المجتمع الفلسطيني، بهدف تفكيك الفلسطينيين وتدميرهم كمجموعة. الإبادة في قطاع غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية هما التعبيران الأقصى لهذه السياسة. ورغم الأدلة والتقارير العديدة التي نُشرت، فإن المجتمع الدولي، الذي يواصل منح النظام الإسرائيلي حصانة من المساءلة، يمنح عمليًا شرعية لاستمرار التعذيب والقمع والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين، ويتخلى عن الضحايا الفلسطينيين".
من جانبها، ادعت مصلحة السجون الإسرائيلية في ردها على صحيفة هآرتس: "تعمل مصلحة السجون وفقًا للقانون، وبما يتماشى مع أحكامه وقرارات المحاكم، وتخضع لرقابة وإشراف جهات رقابية رسمية. جميع المحتجزين يُحتجزون بشكل قانوني، مع الحفاظ على حقوقهم، وتلقي العلاج الطبي عند الحاجة، وتوفير ظروف معيشية وفق ما ينص عليه القانون".
وأضافت: "أي شكوى محددة تُقدَّم عبر القنوات الرسمية يتم فحصها من قبل الجهات المختصة وفقًا للإجراءات المعمول بها".
وادعى جهاز الشاباك في رده: "من دون التطرق إلى مضمون التقرير، الذي لا يتعلق معظمه بنشاط الجهاز، نؤكد أن تحقيقات الشاباك تُجرى وفقًا للقانون وتخضع لرقابة صارمة، بما في ذلك إشراف جهات قانونية".
أما جيش الاحتلال فلم يصدر عنه رد.






