أثارت قرارات إسرائيلية جديدة تهدف إلى تعميق فرض السيادة على الضفة الغربية مخاوف فلسطينية واسعة من مصادرة الأراضي وتقويض ما تبقى من استقرار هش في المنطقة، وسط تحذيرات من أن هذه الخطوات تمثل تحولا خطيرا قد ينهي حالة الهدوء النسبي ويدفع بالأوضاع نحو موجة جديدة من التصعيد.
وجاءت هذه المخاوف عقب مصادقة المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية في إسرائيل (الكابنيت) يوم الأحد على حزمة قرارات من شأنها تغيير الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية، في خطوة اعتبرها فلسطينيون انقلابا فعليا على الاتفاقيات الموقعة ومحاولة لفرض وقائع دائمة على الأرض.
وتشمل القرارات إلغاء القانون الأردني الذي كان يحظر بيع الأراضي لليهود، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي وأماكن دينية أخرى إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية، إلى جانب نشر سجلات الأراضي وتسهيل إجراءات شراء الأراضي.
في مقابلات منفصلة مع وكالة أنباء "(شينخوا" يرى الفلسطينيون أن هذه الإجراءات لا تقتصر على أبعاد قانونية أو إدارية، بل تستهدف جوهر الصراع على الأرض والهوية، وتمهد لمرحلة جديدة من السيطرة الإسرائيلية الشاملة على الضفة الغربية.
مصادرة غير مباشرة للأراضي الفلسطينية
في مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، يقول رامي نوباني (55 عاما)، وهو مزارع يقطن في المنطقة الشرقية من المدينة، إن القرارات الإسرائيلية الأخيرة تهدد أرضا زراعية يمتلكها وتمتد على أطراف قرية سالم، قرب مناطق تشهد توسعا استيطانيا متسارعا.
ويضيف نوباني لـ "شينخوا" "ورثت هذه الأرض عن والدي، ووالدي ورثها عن جدي، ونحن نزرعها منذ عشرات السنين بالزيتون واللوز... الأرض ليست مجرد مصدر رزق، بل جزء من هويتنا وذاكرتنا العائلية".
ويوضح نوباني، الذي يعيش في منطقة مصنفة (أ) وتخضع رسميا للسيطرة الفلسطينية الكاملة - وفق اتفاقية أوسلو عام 1993- إنه كان يعتقد لسنوات طويلة أن حقوقه في أرضه محمية بموجب الاتفاقيات الموقعة والقانون الدولي.
ويشرح "كنا نعتقد أن العيش في منطقة تحت السيادة الفلسطينية الكاملة يعني أن أرضنا خارج دائرة الاستهداف المباشر، وأن القانون الدولي يحمي ملكيتنا، لكن القرارات الإسرائيلية الجديدة ألغت هذا الشعور بالكامل".
وأوضح أن القوانين الإسرائيلية الجديدة تفتح الباب أمام فرض قيود مشددة على الزراعة والبناء، وخلق ضغوط اقتصادية وقانونية قد تجبر أصحاب الأراضي على التخلي عنها.
ويقول "بهذه القوانين، يمكنهم منعنا من استصلاح الأرض أو البناء فيها، أو فرض إجراءات تجعل الزراعة مستحيلة، في النهاية يحاولون دفعنا إلى البيع بالقوة غير المباشرة".
ومع ذلك، يشدد على أنه يرفض بشكل قاطع أي فكرة لبيع أرضه، فهي "تمثل إرثا عائليا متوارثا عبر الأجيال".
ويقول نوباني "كما أوصى جدي والدي… ووالدي أوصاني وأشقائي، سأوصي أبنائي وأحفادي بالتمسك بهذه الأرض، مهما كانت الضغوط، لن نسمح لإسرائيل بسلب أراضينا بالقوة مهما كلفنا ذلك من ثمن".
حاله كحال غالبية السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، يمتلك نوباني وثائق قديمة تؤكد ملكية عائلته لهذه الأرض منذ ما قبل قيام دولة إسرائيل في عام 1948، مؤكدا أنه سيواصل الدفاع عن حقه في أرضه في مواجهة أي قرار إسرائيلي يسعى إلى سلبها.
ويشير إلى أن عائلته، كغيرها من العائلات الفلسطينية، عاشت سنوات طويلة من القلق وعدم اليقين، قائلا "منذ الانتفاضة الأولى ونحن نعيش بين الخوف والأمل، كل جيل يعتقد أن القادم سيكون أفضل، لكن القرارات الجديدة تعيدنا إلى نقطة الصفر".
مخاوف من انفجار الأوضاع
ولا يبدو أن الوضع أفضل حالا في مدينة رام الله التي تقع أيضا في المنطقة (أ) تحت السيادة الفلسطينية الكاملة، حيث أعرب محمد موسى (40 عاما)، وهو معلم يسكن قرب جدار الفصل الإسرائيلي، عن مخاوفه من أن تؤدي القرارات الإسرائيلية الجديدة إلى تفجير الأوضاع في الضفة الغربية.
ويقول موسى لـ "شينخوا" "هذه القرارات لا تمس الأرض فقط، بل تمس كرامة الناس وحياتهم اليومية، عندما يشعر الفلسطيني أنه محاصر في بيته وأرضه، فلن يقبل بذلك إلى ما لا نهاية".
ويضيف أن القيود المتزايدة على البناء والحركة، إلى جانب تهديد الأراضي، ستقضي على ما تبقى من هدوء نسبي، محذرا من أن الضفة الغربية "ليست بعيدة عن الانفجار" إذا أغلقت جميع المسارات السياسية والقانونية.
ويتابع "نخشى أن نعود إلى مشاهد المواجهات اليومية وحروب الشوارع، وانتفاضة جديدة لا يريدها أحد، لكنها قد تُفرض على الناس في حال استمرار هذه السياسات".
وشدد على أن الصمت الدولي تجاه "الانتهاكات الإسرائيلية" ستدفع الفلسطينيين نحو الدفاع عن أنفسهم وأرضهم "حتى وإن أجبروا على العنف ضد إسرائيل… فمن لم يحمينا بالقانون لن يجبرنا على الصمت أمام هذه القرارات المجحفة بحق وجودنا كفلسطينيين على الأرض".
قيود مشددة وانتهاكات مستمرة
أما سكان مدينة الخليل فيعيشون تلك المضايقات منذ سنوات طويلة، لا سيما في منطقة (H2) التي تشمل البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، وتخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة.
فمنذ توقيع اتفاقية الخليل عام 1997، والمعروفة بـ"بروتوكول الخليل"، تم تقسيم المدينة إلى منطقتين: منطقة (H1) التي تضم نحو 80 % من مساحة المدينة وتخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة، ومنطقة (H2) التي تشكل نحو 20 %، حيث يعيش الفلسطينيون وسط قيود مشددة على حركتهم اليومية.
وبحسب السكان المحليين، تتعرض البلدة القديمة بشكل شبه يومي لاعتداءات تشمل المضايقات، الإغلاق المفاجئ للشوارع، واحتجاز السكان في منازلهم لساعات واعتداءات المستوطنين بحماية القوات الإسرائيلية.
ويخشى السكان من أن القرارات الأخيرة ستزيد من حدّة هذه الانتهاكات، وتضيق الخناق عليهم في أدق تفاصيل حياتهم اليومية، من التنقل والعمل وصولا إلى التعليم والأنشطة الاجتماعية.
ويقول سامر الهشلمون (33 عاما) ويقطن بالقرب من الحرم الإبراهيمي، لـ "شينخوا"، إنه لا يذكر أنه "عاش حياة طبيعية أسوة بفلسطينيين يعيشون تحت السيطرة الفلسطينية".
ويضيف "أنا قضيت حياتي في مواجهة المضايقات الإسرائيلية، ولكننا كنا ندافع عن أنفسنا ونتمسك بأرضنا… أما الآن، ومع هذه القرارات المجحفة، فقد يتم سلبنا بيتنا وأرضنا للأبد".
ويتابع "كل زاوية في بيتي تحمل قصة حياتي، وكل خطوة في الشارع الذي ولدت فيه تذكرني بماضي المدينة، لن نتخلى عن حقنا أبداً، حتى وإن اضطررنا للدفاع عن حقوقنا بكل ما نملك من قوة".
ويشير الهشلمون إلى أن العيش تحت ضغط مستمر يجعل أي شعور بالأمان "مستحيلا"، مشيرا إلى أن غالبية سكان المنطقة لا يعتبرون منازلهم مكاناً آمناً، بينما أصبحت الشوارع محيطا يختبر صبرهم وصمودهم على مدار الساعة، وسط شعور دائم بأن حياتهم وأماكنهم التاريخية معرضة للخطر.
رفض فلسطيني واسع
ولقيت القرارات الإسرائيلية رفضا فلسطينيا رسميا وشعبيا، واعتبرت الرئاسة الفلسطينية، في بيان نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية ((وفا))، أن هذه القرارات "خطيرة وتمثل استمرارا للحرب الشاملة التي تشنها حكومة الاحتلال على شعبنا الفلسطيني، وتصعيدا غير مسبوق يستهدف الوجود الفلسطيني وحقوقه الوطنية والتاريخية".
وأكدت الرئاسة أن القرارات تمثل "تنفيذا عمليا لمخططات الضم والتهجير"، وتشكل خرقا للاتفاقيات الموقعة، بما فيها اتفاق أوسلو وبروتوكول الخليل، وللقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، محذرة من المساس بالمقدسات الإسلامية والمسيحية، ولا سيما الحرم الإبراهيمي.
كما أدانت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية مصادقة (الكابنيت)، ووصفت القرارات بأنها "إجرامية"، معتبرة أنها محاولة لفرض أمر واقع جديد عبر الاستيطان وتغيير الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
من جانبها، قالت حركة (حماس) إن القرارات تندرج ضمن مخطط الضم الشامل، ودعت إلى توحيد الصف الوطني لمواجهة السياسات الإسرائيلية.
كما حذرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في منظمة التحرير الفلسطينية من أن القرارات تسمح بهدم مبان فلسطينية حتى في المناطق المصنفة (أ) و(ب)، في انقلاب صريح على اتفاق أوسلو.
وفي السياق ذاته، يقول المحلل السياسي الفلسطيني أحمد رفيق عوض لـ "شينخوا" إن هذه القرارات "تهدم آخر مسمار في نعش اتفاق أوسلو"، مضيفا أن إسرائيل تتخلى عن مسار التسوية وتتجه نحو الاحتلال المباشر وتعميق الاستيطان وضم الضفة الغربية دون إعلان رسمي.
ويضيف عوض أن الحكومة الإسرائيلية تستغل التطورات منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى جانب الاعتبارات الانتخابية الداخلية، لتعزيز سيطرتها على الضفة الغربية، محذرا من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تقويض السلطة الفلسطينية وزيادة حالة عدم الاستقرار.
وتأتي هذه القرارات قبل زيارة مرتقبة لرئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، في وقت يكرر فيه مسؤولون إسرائيليون رفضهم قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وكان رأي استشاري صادر عن محكمة العدل الدولية في عام 2024 قد اعتبر أن السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات عليها "غير قانوني"، وهو قرار رحب به الفلسطينيون ورفضته إسرائيل.








