حمّل معظم المحللين الإسرائيليين، في مقالاتهم اليوم الأحد، بنيامين نتنياهو بغطرسته هو وحكومته مسؤولية الفشل الضخم الذي ظهر أمس، لكل أجهزة الحكم، العسكرية والاستخباراتية والسياسية، ووصفوا أن ما جرى ويجري هو إهانة لإسرائيل، على مر سنواتها، وشددوا على أن كل النظريات الإسرائيلية تهاوت، وأن إسرائيل امام واقع جديد، لم تعرفه ولم تتوقعه من قبل.
إسرائيل في واقع آخر
وكتب الصحفي والمحلل شلومي إلدار، الذي عمل مراسلا صحفيا لسنوات طويلة في غزة وبشأن عزة، إنه: بعد أن سمعت رؤساء الصفوف السياسية والعسكرية يتوعدون بأن حماس فتحت أبواب الجحيم على غزة وأن العدو سيدفع ثمنا لم يعرفه أبدا – ليس لدي طريقة أكثر لطفا أو وضوحا لقول هذه الأشياء، وأنا مضطر إلى استخدام العبارة الأكثر دقة لوصف الواقع الحالي: حماس تمسك إسرائيل من خصيتيها!
وتابع: تم التخطيط لهجومهم المفاجئ بشكل جيد منذ أشهر، إن لم يكن سنوات. لم تعد هذه منظمة إرهابية لإرهابيين، على الرغم من أننا مرتاحون جدًا لوصفهم بهذه الصفة. إنها منظمة لديها جيش من آلاف الجنود المدربين والمتحمسين، الذين يتمتعون بانضباط حديدي واستعداد "للموت من أجل غزة". الجنود الذين كانوا أطفالًا نشأوا في واقع حيث كان هناك هي فقط حماس وما يحيط بها من عنف وانعدام أمل، ولا يعرفون أي واقع أو مصطلح آخر، وبعد لا إله إلا الله هناك حماس، حماس، حماس.
وفي إشارة إلى عدد الأسرى والمخطوفين، قدّر أن: حماس لن تُهزم أو تُسقط لا غداً ولا في الأشهر المقبلة. فهي ستُملي وتدير المفاوضات. وستدير نتنياهو، ومجلس الوزراء، وحكومة اليمين الكاملة، التي غذت إسرائيل الوهم بأن لديها حلولاً سحرية قوية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وسوف تضطر المعارضة أيضاً إلى ذلك. يصطفون بسبب القلق على حياة المواطنين الإسرائيليين.
واختتم: ما سيتعين على إسرائيل تغييره هو طريقة تفكيرها: نحن لا نتعامل مع عدو غبي أو مجموعة من المتعطشين للدماء. الحقيقة الصعبة هي أننا نتعامل مع عدو يتمتع قادته بالذكاء والدهاء، ويؤسفني أن أقول ذلك، وهو أكثر ذكاءً وتصميماً من القيادة الإسرائيلية اليوم. ولن تتم الإطاحة بحماس بهذه السرعة. ومَن لم يطِح بهم من قبل، وسمح لهم بالنمو، وسلمهم أكياسا مملوءة بالمال، هو الذي يواجه اليوم وضعا رهيبا سيتحول إلى صدمة وطنية جديدة.
تقصير الأجهزة
وكتب المحلل السياسي ناحوم بارنيع في مقال له في صحيفته "يديعوت أحرنوت"، "ثلاث مليارات ونصف مليار شيكل كلف العائق في غزة. من فوق الأرض، من تحت الأرض، جساسات، كاميرات، وكله في آخر تطور. أمس السبت في يوم الامر، مع نشوب الحرب، انهار، أصبح سورا من ورق. ليس العائق هو المذنب؛ الناس هم المذنبون، قال لي أحد المسؤولين عن انشائه. عندما لا يكون احد يراقب، واحد لا يطلق النار، فلا وجود للعائق. أمس بعد الظهر رفع سلاح الجو 40 طائرة من أنواع مختلفة فوق العائق، كل الوقت، كي يسد العبور من غزة الى إسرائيل ومن إسرائيل الى غزة. الجهد كان بطوليا، لكن التأخير فظيعا.
في نظري، 7 أكتوبر 2023 كانت إهانة عظمى، إهانة لم يشهد لها الجيش الإسرائيلي مثيلا في كل سنواته. وسأشرح: الإهانة الأولى كانت استخبارية. مرة أخرى، مثلما في 1973، رأت المنظومة كل المؤشرات الدالة لكنها استنتجت بغرورها بأن هذه مجرد مناورة، تدريبات عابثة؛ الثانية كانت السهولة التي تجاوز فيها مخربو حماس العائق؛ الثالثة كانت السهولة التي عادوا فيها الى غزة، مع عشرات الرهائن؛ الرابعة هي البطء الذي رد به الجيش الإسرائيلي على التوغل. يتجول عشرات المخربين في معسكر مدرعات وكأنهم يتجولون في بيوتهم ولم توجد مروحية هجومية تطلق عليهم النار.
فضلا عن التفاصيل، كانت الدهشة مما بدا كسلسلة طويلة من القصورات. اعترف: شعرت فجأة باني لا أعيش في إسرائيل التي افتخر بها بل في الصومال.
وختم بارنيع كاتبا، يتوقع الجمهور هذه المرة الحسم وليس جولة أخرى. هل هذا ما يريده نتنياهو؟ في كل سنواته في الحكم دفع بحماس قدما على حساب السلطة، بسياسة فرق تسد وتهدئة بكل ثمن. في الأشهر الأخيرة اعطى حماس كل ما أوصى الجيش باعطائه، عمل لعشرين الف غزي في إسرائيل، توريد متسع، تحويل مال قطري. سموتريتش، وزير نصف الدفاع في حكومته، قال مؤخرا ان حماس هي ذخر والسلطة هي عبء. فهل نتنياهو مستعد لان يغير القرص؟
حماس سيطرت على جدول الاعمال في
وكتب المحلل تسفي بارئيل، في مقال في صحيفة "هآرتس"، من اجل اجراء مثل هذه مفاوضات لتحرير أسراها، سيكون على اسرائيل مرة اخرى أن تستعين بخدمات مصر وقطر، اللتان تقيمان علاقات عمل وثيقة مع قيادة حماس، وأقل من ذلك مع قيادة الجهاد الاسلامي، وفي الدائرة الاوسع مع دول يمكنها التأثير على سلوك هذه المنظمات مثل تركيا أو دولة اتحاد الامارات. ولكن في هذه المرة اوراق المساومة التي توجد في أيدي حماس والجهاد هي أقوى من أي مرة اخرى، وطبقا لذلك ايضا ستكون طلباتها، دون أن توافق اسرائيل على الاقل في هذه المرحلة على اعطاء الوسطاء ترضي هذه الطلبات.
وكتب مضيفا، "إن الدعم غير المحدود اسرائيل من قبل الولايات المتحدة، والدعم الذي ستحصل عليه على كل عملية عسكرية، على الاقل طالما أنها لا تتحول الى تدمير شامل للقطاع أو مذبحة عامة للمدنيين، لا يمكن أن يساعدها ذلك في اجراء مفاوضات لإعادة المخطوفين، المدنيين والجنود، الى البيت".
وحسب بارئيل، فإن معضلة اخرى وجدت السعودية نفسها الآن فيها وهي اذا كانت ستقرر أن تدفع قدما بعملية التطبيع مع اسرائيل. السعودية تعتبر في نظر الفلسطينيين، سواء في الضفة أو في غزة، كمن هي مستعدة لبيع القضية الفلسطينية مقابل تحقيق مصالحها مع الولايات المتحدة. بادرات حسن النية التطبيعية مع اسرائيل مثل دعوة وزراء لزيارة المملكة بالتأكيد لم تساعد في تغيير هذه الرؤية. ايضا ردها على المعركة أمس كان رد متساهل جدا: "نحن نتابع عن كثب التطورات وندعو كل الاطراف لوقف إطلاق النار"، هذا كان بيان وزارة الخارجية السعودية.
أجندة نتنياهو السائبة
ويفتتح محلل الشؤون الحزبية مقاله في صحيفة "هآرتس"،، "قبل أي شيء هذا هو العار. العار العميق والحارق الذي ملأ القلوب بالغضب والعيون بالدموع، على المأساة الشخصية لمئات العائلات في بلدات غلاف غزة الذين خبروا جهنم على الارض؛ وعشرات القتلى ومئات المصابين؛ والسهولة الصادمة التي قام بها مخربون مسلحون بالتجول بحرية، بعضهم في سيارات وبعضهم سيرا على الاقدام، في صباح يوم العيد في داخل اراضي اسرائيل، وتسللوا الى الكيبوتسات والموشافيم والمدن وتصرفوا فيها وكأنهم في مدنهم؛ والساعات الطويلة التي اضطر فيها المواطنون الى الدفاع عن انفسهم من المخربين دون أي مساعدة من الجيش أو الشرطة الذين كانوا بعيدين عنهم".
"اسرائيل تمت اهانتها وهزيمتها اليوم. منظمة ارهابية اعتبرت "صغيرة" كشفت عورة دولة من اكثر الدول العظمى العسكرية الاقليمية المتقدمة في مجال الاستخبارات والسايبر. وحتى لو تم تدمير كل غزة (لا توجد حاجة الى ذلك)، وحتى لو تدحرج رأس محمد ضيف ورأس خالد مشعل ورأس يحيى السنوار ورأس صالح العاروري ورأس اسماعيل هنية واصدقاءهم، فإن ذلك لن يغفر الفشل الامني الذريع جدا منذ يوم الغفران 1973. هذا لن يخفف الطعم المر للهزيمة ولن يخفف الصدمة ازاء عدد القتلى والمخطوفين".
المستوى العسكري والمستوى الاستخباري يجب أن يدفعا كل الثمن على جميع المستويات. ولكن المستوى السياسي لا يمكنه ادعاء البراءة والقاء المسؤولية على جهاز الامن (على ذلك تقريبا يعمل الآن المستشارون المجتهدون في مكتب رئيس الحكومة). نتنياهو وأجندته الهستيرية والفاجرة، مع حكومة الهراء والرعب التي شكلها والتي مزقت هذا الشعب اربا، جلبوا علينا هذه الحرب. حماس صعب عليها الصمود امام هذا الاغراء عندما رأت جمهور ممزق يكره بعضه وجهاز أمن افضل الاعضاء فيه يرفضون الخدمة أو يترددون.






