كتب محلل شؤون الأمن والاستخبارات في صحيفة هآرتس، يوسي ميلمان، في مقال له يوم الجمعة، إنه في ظل تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، تستعد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لاحتمال استمرار الاشتباكات لأيام إضافية، وسط إنجازات استخباراتية وعملياتية بارزة تمثلت في استهداف مواقع نووية وعسكرية حساسة داخل إيران، وتصفية قادة كبار في الحرس الثوري. ويقول إنه بينما يسود القلق من انزلاق الوضع إلى حرب استنزاف طويلة، تشير التقديرات إلى أن القرار النهائي بيد طهران.
ووفق ميلمان، تُظهر العملية العسكرية الإسرائيلية داخل إيران تحولًا استراتيجيًا حاسمًا، كُسرت فيه سياسة التردد السابقة لصالح ضربة مباغتة ومنسقة، حملت رسائل استخباراتية وعملياتية غير مسبوقة. فبينما تسعى إسرائيل لإنهاء التصعيد سريعًا، يبدو أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يدفع نحو استمرار المواجهة لأهداف سياسية داخلية. في المقابل، تمسك إيران بخيارات متعددة للرد، من بينها التصعيد العسكري أو الانسحاب من الاتفاقات النووية، ما يضع المنطقة أمام مفترق حاد بين احتواء الأزمة أو انزلاقها إلى حرب استنزاف طويلة.
وكتب: "تستعد المنظومة الأمنية الإسرائيلية لاحتمال أن تستمر المواجهة مع إيران لأيام إضافية، على أمل ألا تتطور إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. صباح اليوم، نجحت منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش الإسرائيلي والأردن والولايات المتحدة في اعتراض جميع الطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران من أراضيها ومن العراق، ردًا على الضربة الإسرائيلية. لكن في المؤسسة الأمنية لا يُستبعد أن تحاول إيران مجددًا شنّ هجمات عبر أسراب من المسيّرات، وربما إطلاق صواريخ باليستية أيضًا. ومع ذلك، من الصعب اليوم تحديد الموقف الإسرائيلي الموحد؛ فالجيش الإسرائيلي والموساد يفضّلان إنهاء الحدث بأسرع وقت ممكن، بينما يبدو أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يسعى لمواصلة القتال، مدفوعًا بأسباب سياسية وشخصية مشابهة لتلك التي تدفعه لمواصلة الحرب في غزة".
وأضاف: مع ذلك، فإن الكلمة الأخيرة تبقى بيد إيران، فهي التي ستقرر ما إذا كانت الضربة الافتتاحية الناجحة ستنتهي كما تأمل إسرائيل. ويجدر التذكير بأن الإيرانيين، المعروفين بعنادهم، والذين يرون أنفسهم ضحايا تاريخيين، اعتادوا على حروب طويلة ومرهقة، كما في الحرب مع صدام حسين التي بدأت كمغامرة سريعة وانتهت بمواجهة دامت ثماني سنوات وراح ضحيتها نحو مليون إنسان من الجانبين. غالبية المحللين – من صحافيين وأعضاء كنيست سابقين ومسؤولين أمنيين – لم يعتقدوا أن نتنياهو سيأمر فعليًا بالهجوم، رغم أنه يطرح الفكرة منذ عام 2009 ووضع خططًا لها بالتعاون مع المؤسسة الأمنية. في كل مرة، كان يتراجع في اللحظة الأخيرة أو يثنيه الضغط الأميركي. رغم ذلك، كان التقدير السائد أنه في حال قرر نتنياهو تنفيذ الهجوم، فإن ذلك لن يتم إلا بتنسيق مسبق مع الولايات المتحدة. ولم يكن هناك شك في أن الإدارة الأميركية ستقدم لإسرائيل الدعم الاستخباراتي لتعزيز قدرات الموساد والجيش. لكن ما لم يتضح من التصريحات الرسمية الأميركية الأخيرة هو ما إذا كانت واشنطن عارضت حقًا الهجوم، أم أنها تبنّت موقفًا علنيًا مضللًا لتوفير الغطاء اللازم لإسرائيل".
وأضاف: "بغض النظر عن الموقف الأميركي، كانت إيران تتوقع هجومًا كهذا، وهددت أمس بأنها ستشنّ هجومًا استباقيًا إذا رصدت اقتراب موعد الضربة الإسرائيلية. قناة "فوكس نيوز" الأميركية أفادت بأن إسرائيل نفذت عملية خداع دفعت كبار ضباط سلاح الجو الإيراني إلى دخول ملجأ تحت الأرض – وهو الموقع الذي تم استهدافه لاحقًا. بالنظر إلى التطورات، يمكن الاستنتاج أن تصريحات ترامب الأخيرة كانت جزءًا من خطة الخداع الإسرائيلية لإرباك إيران. فرغم قوله إن الولايات المتحدة لم تشارك في الهجوم، من المرجح بدرجة عالية أنه أعطى الضوء الأخضر لنتنياهو خلال المكالمات التي جرت بينهما في الأيام الماضية، لتنسيق تفاصيل العملية – في سيناريو يشبه منح الرئيس الأميركي ليندون جونسون الضوء الأخضر لإسرائيل قبيل حرب 1967".
وكتب: "الاستخبارات الإسرائيلية – الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" – بالتعاون مع المخابرات الأميركية، حققت إنجازًا يُحسب لها. فالموساد بنى على مدار سنوات بنية تحتية واسعة من العملاء والمساعدين والشقق الآمنة ووسائل النقل والتمويه والتكنولوجيا الحديثة التي مكّنته من إطلاق طائرات مسيّرة انتحارية من داخل الأراضي الإيرانية نفسها. وهذه ليست المرة الأولى، إذ تمكّنت إسرائيل قبل ثلاث سنوات من تدمير مسيّرات إيرانية باستخدام طائرات بدون طيار أُطلقت من داخل إيران. إلى جانب الإنجاز الاستخباراتي، حققت إسرائيل أيضًا إنجازًا عملياتيًا واضحًا، تمثل في تصفية رئيس أركان الجيش الإيراني، وقادة كبار بينهم قائد سلاح الجو وقائد الحرس الثوري وعدد من العلماء النوويين، ما سيُعيق جهود إعادة بناء البنية التحتية المستهدفة. وقد يشكل مقتل هؤلاء القادة ضربة قاسية على المستويين النفسي والمعنوي، فضلاً عن تأثيره على المدى القصير حتى يتولى خلفاؤهم، الذين عُينوا بسرعة كرسالة تحدٍ لإسرائيل، مسؤولياتهم رسميًا".
وتابع: "إيران اعترفت بأن موقع تخصيب اليورانيوم في نطنز قد تضرر. هذا الموقع يُعد قلب المشروع النووي الإيراني، ويضم نحو 20 ألف جهاز طرد مركزي يعمل على تخصيب اليورانيوم على عمق عشرين مترًا تحت الأرض. لكن السؤال الحاسم هو ما إذا نجحت إسرائيل أيضًا في ضرب الموقع الثاني في فوردو، قرب مدينة قم، وهو منشأة صغيرة محصنة داخل جبل وعلى عمق 40 مترًا، وتضم آلاف أجهزة الطرد المركزي المتقدمة. إيران زعمت أن فوردو لم يُصب، لكن من المنتظر صدور توضيح من إسرائيل ومن الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تشرف على الموقع. وبحسب تقارير الجيش الإسرائيلي، تم تدمير مخازن ومواقع مرتبطة ببرنامج الصواريخ الإيراني. وفي الأيام المقبلة، سيتضح مدى نجاح العملية فعليًا، وكم من الوقت ستؤخر برنامج إيران النووي".
وكتب: "الخيارات أمام إيران الآن متعددة. في البداية، أعلنت انسحابها من جولة المفاوضات التي كانت مقررة يوم الأحد في عُمان بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقتجي. وقد تذهب أبعد من ذلك وتنسحب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) كما فعلت كوريا الشمالية سابقًا. ويمكن أن ترفع تخصيب اليورانيوم من 60% إلى 90%، وهي النسبة اللازمة لإنتاج سلاح نووي. أو قد تعلن عن نيتها تصنيع قنبلة نووية وتركيبها على صواريخ، وهي عملية قد تستغرق بين عدة أشهر وسنة".
وقال: "خيار آخر أمام إيران هو قصف السعودية ودول الخليج انتقامًا لتعاونها مع إسرائيل والولايات المتحدة، ما قد يُجبر ترامب – رغم إرادته – على زجّ الجيش الأميركي في مواجهة مباشرة. لكن السؤال الأهم يبقى: هل كانت إيران فعلًا قريبة من إنتاج قنبلة نووية كما يدّعي نتنياهو ووزير الأمن كاتس، ويُكرر خلفهم قادة الجيش؟ أم أن بالإمكان كان تجنّب المسار العسكري وانتظار اتفاق دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة؟ ترامب نفسه أشار إلى أن الطرفين كانا قريبين جدًا من التوصل إلى اتفاق. لكن هذا أصبح من الماضي الآن".
وختم: "على الجمهور الإسرائيلي – المُنهك من حرب غزة، ومن الأزمة السياسية والانقسام الداخلي – أن يواجه الآن تبعات قرار الحكومة، بجميع آثاره الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. ولا توجد أي ضمانات بأن تنعكس النجاحات العسكرية، التي هي تكتيكية وعملياتية في جوهرها، إلى إنجاز استراتيجي يضمن لإسرائيل الأمن والاستقرار. وقد يتحول الهجوم على إيران إلى ما يجعل إسرائيل دولة تعيش إلى الأبد على حدّ السيف".






