الكاتب السوري محمد سامي الكيال لـ"الاتحاد": سقوط النظام السوري تم بتوافق تركي-إسرائيلي، وتنظيم القاعدة فعليًا يحكم سوريا اليوم

A+
A-
الكاتب السوري محمد سامي الكيال لـ"الاتحاد"
الكاتب السوري محمد سامي الكيال لـ"الاتحاد"

مقابلة خاصة بـ"الاتحاد" أجراها: حسن مصاروة

محمد سامي الكيال، هو كاتب وباحث سوري يقيم في المانيا، يكتب لعدد من الصحف والمجلات العربية، مهتم بقضايا علم الاجتماع والتأريخ والثقافة السياسية، له رواية صادرة عن دار التنوير للنشر بعنوان "برلين... نهاية العشرينيات السوداء". 
شارك الكتاب ونظم ونشط في المظاهرات التي خرجت عام 2011 في سوريا ضد النظام، وتحول لناقد لمسار المعارضة بعد أن تحولت الانتفاضة الشعبية إلى حرب أهلية طائفية مسلحة، وبقي ناقدًا للنظام وممارساته وللمعارضة المسلحة وممارستها. وبعد سقوط النظام وسيطرة هيئة تحرير الشام على دمشق بات يحذر بشدة من المسار الخطير التي تسير اليه سوريا ومن الحكم الديني الشمولي القمعي المرتهن للخارج الذي يتم تأسيسه الآن. أجرينا معه حوارًا لصحيفة الاتحاد، تطرقنا فيه إلى السقوط المفاجئ للنظام، وطبيعة القوة السياسية التي تحكم سوريا اليوم، والممارسات القمعية والطائفية التي تمارسها، وتفكيك مقولات "انتصار الثورة" و"علمانية النظام" وتحدثنا عن راهنية وأهمية طرح شعار ومشروع العلمانية في سوريا اليوم.

  • "الاتحاد: كيف تفسر هذا السقوط السريع والمفاجئ للنظام السوري برئاسة بشار الأسد بعد أيام معدودة من شن هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) حملتها العسكرية ودخولها إلى دمشق بدون قتال يذكر؟

الكيال: حتى هذه اللحظة ليس لدينا معلومات كافية موثقة تفسّر كيفية إنهيار النظام السوري والجيش السوري بهذا الشكل السريع والمفاجئ، وكيف تخلى عنه حلفاؤه، وعلى رأسهم إيران ورسيا، بهذه البساطة. مؤخرًا فقط بدأت تظهر بعض المعلومات والوثائق القليلة التي تكشف مجرى الساعات الأخيرة والتعليمات المتضاربة التي كانت تعطى للجيش السوري، حيث كانت هناك أحيانًا وفي مناطق مختلفة أوامر لفصائل الجيش بالمواجهة وأحيانًا أخرى كانت هناك أوامر بإعادة الانتشار، ووقع الجنود في تناقض وغموض الأوامر العسكرية هذه، وشعروا أن القيادة لا تعطيهم تعليمات واضحة. الكثيرون منهم انسحبوا بأشكال مختلفة، رموا أسلحتهم وأخلوا مواقعهم أمام هجوم مقاتلي هيئة تحرير الشام. لكن الفكرة هي أنه إذا كنا لا نعرف بشكل دقيق ما الذي حصل بالضبط، وهذا الموضوع سيحتاج لسنوات لينكشف بشكل واضح، فلا نملك إلا أن نربط الموضوع سياسيًا بالتغييرات الكبيرة التي حصلت في المنطقة بعد 7 أكتوبر 2023، الحرب على غزة وعلى لبنان، والضربة القوية التي تلقتها القوى والفصائل المرتبطة بإيران، وكل الدول المرتبطة بالمحور الإيراني. وفي سياق الضربة التي تلقتها إيران وحلفاؤها في المنطقة، يبدو واضحًا أن سقوط النظام السوري مرتبط بنوع من التوافق وتقاطع المصالح التركي-الإسرائيلي في تلك اللحظة، لدفع ودعم الهجوم الذي قامت به هيئة تحرير الشام على الجيش السوري. وهو هجوم تم التحضير له بدقة قبل ما يقارب 6 أشهر، وكان هناك تقارير عديدة سابقة حول التحضير لهذا الهجوم قبل وقوعه، لكن يبدو أن النظام السوري لم يأخذ هذا الأمر بالاهتمام والجدية الكافية، وحين تم الاجتياح، كان الجيش السوري عاجزًا، روسيا المنشغلة في حربها في أوكرانيا لم تتدخل بشكل جدي، ودخلت هيئة تحرير الشام إلى دمشق بصورة عاصفة دون مواجهة وسقط النظام. وفي اليوم التالي لسقوطه قامت إسرائيل بقسطها ودورها في هذه العملية، وقامت بالأمر الذي يهمها بالأساس، وهو تحطيم معظم السلاح الثقيل السوري، قامت بضربات مكثفة وسريعة فيما يبدو أنها خطة محددة الأهداف محضرة مسبقًا منذ زمن، لتتحول سوريا اليوم إلى ما يمكن اعتباره "بلدًا منزوع السلاح"، بلدًا بلا جيش، إلا الميليشيات التابعة لهيئة تحرير الشام، لكن لا يوجد الآن في سوريا أي طرف يملك أسلحة ثقيلة بالمعنى الجدي، وهذا ما ضمنته إسرائيل في هذه العملية، بالاضافة إلى تقدم في جنوب سوريا، في محافظة القنيطرة وجبل الشيخ لتصنع المنطقة العازلة التي تريدها. ولهذا لا يمكن أن نقرأ ما جرى في سوريا إلا على شكل توافق تركي-إسرائيلي.

  • الاتحاد: هل يمكن القول اليوم، بتشكيل هيئة تحرير الشام ورئيسها أحمد الشرع سلطة الأمر الواقع في سوريا، إن تنظيم القاعدة يحكم دمشق؟

الكيال: إذا كنا نريد أن نكون دقيقين، هيئة تحرير الشام أو جبهة النصرة، انفصلت بشكل رسمي عن تنظيم القاعدة، ولا يمكن أن نتحدث بدقة أن هيئة تحرير الشام هي "فرع تنظيم القاعدة العالمي في سوريا". ولكن القاعدة ذاتها هي مجموعة أو مظلة من الأفكار أكبر من مجرد الانتماء المباشر للتنظيم العالمي أو لقيادات في التنظيم العالمي، لأنه في الأصل لم يكن تنظيم القاعدة ذلك التنظيم المركزي الذي يملك قيادة مركزية توجه التعليمات والأوامر للفروع التابعة لها وتحدد كيف تتصرف وتواجه في البيئات والظروف المحلية التي تعمل فيها هذه الفروع. تنظيم القاعدة مبني اساسًا على فكرة التنظيمات العابرة للحدود، وأية جماعة جهادية كانت تجد لها مصلحة في مبايعة تنظيم القاعدة، تصبح جزءًا من القاعدة بشكل من الأشكال. لذلك فالقاعدة هي عبارة عن أيديولوجيا مرنة نوعًا ما، تحوي في داخلها تيارات متعددة جدًا. يمكن القول عن جبهة النصرة إنها أحد تيارات القاعدة، وهي كانت تعبيرًا عن تيار موجود في داخل القاعدة منذ بدايتها، وكان يميل دومًا نحو "المحلية"، على عكس الفكرة "الأممية" التي بني عليها تنظيم القاعدة الكلاسيكي، المبني على تنظيمات عابرة للحدود وتجنيد جهاديين من كل مكان يستطيعون القتال في أي مكان وفي أية دولة، وعدم الاهتمام بالتواجد والانخراط في المجتمعات المحلية مقابل الاهتمام بالمعركة الكبرى ضد العدو المركزي والذي هو الولايات المتحدة. لكن ظهر بعد ذلك تيار داخل القاعدة وجد الحاجة أكبر للتوجه "المحلي" والتغلغل أكثر داخل المجتمعات ومأسسة الوجود الجهادي داخل هذه المجتمعات المحلية. ونستطيع القول إن جبهة النصرة هي التمثيل الأبرز لهذا التيار داخل القاعدة، وهو تيار يعتمد على منظّرين أساسيين في القاعدة ذاتها، وأبرزهم مصطفى ست مريم الملقب بأبي مصعب السوري. في الخلاصة: جبهة النصرة كانت منذ تأسيسها أقرب لفكرة المحلية وعملت على مأسسة العمل الجهادي داخل المجتمع السوري، وتطورت تدريجيًا بأفكارها مع تطور الحرب السورية بهذا الاتجاه، لذلك نستطيع القول أن هيئة تحرير الشام-جبهة النصرة المسيطرة على دمشق اليوم هي أحد تيارات القاعدة "المعدّلة"، التي مع مغايرتها لفكر القاعدة الكلاسيكي، تبقى في النهاية تنتمي إلى فكر وأيديولوجيا القاعدة لكن بشكل أكثر خصوصية، وهذا الأمر جعلها تصطدم نسبيًا مع قيادة تنظيم القاعدة العالمي، لكن هذا الاصطدام والاختلاف لم يكن اصطدامًا جذريًا بأي شكل من الأشكال. لذلك يمكننا القول اليوم بشكل ما إنه فعلا "القاعدة تحكم دمشق".

 

"هيئة تحرير الشام-جبهة النصرة هي أحد تيارات القاعدة "المعدّلة"، التي على الرغم من مغايرتها لفكر القاعدة الكلاسيكي، تبقى في النهاية تنتمي إلى فكر وأيديولوجيا القاعدة لكن بشكل أكثر خصوصية

 

  • الاتحاد: هناك من يدعي الآن أن هيئة تحرير الشام التي تحكم دمشق اليوم، مرت بتغيير كبير في السنوات الأخيرة، والآن بعد أن تسلمت الحكم فهي تبث رسائل بهذا التغيير وأنها تحكم الآن بمنطق الدولة وليس بالمنطق الجهادي السابق، هل لهذا مصداق في الواقع ؟

الكيال: في الحقيقة كان هناك تغيير في ممارسة تنظيم القاعدة في سوريا-جبهة النصرة، وهذا التغيير لم يحدث فقط بعد احتلال دمشق، هذا التغيير موجود منذ أيام سلطتها على إدلب، ممارستها العملية بالحكم بالإضافة إلى التغيير الايدلوجي النابع من رغبتها بالتغلغل داخل المجتمع السوري، أدى إلى تغيير فعلي في التطبيقات، لم تعد جماعة تملك تصورًا لشريعة متكاملة ومحكمة تريد تطبيقها على الناس بكل قسوة وبشكل فوري، مثلما كانت في بداية الحرب، بل أصبحت تؤمن بالتدرج بموضوع فرض الشريعة، وتؤمن بتربية الناس تدريجيًا عن طريق المؤسسات التي تبنيها. هذا التغير بدأ من مرحلة إدلب، والان بعد سيطرتها على دمشق سيكون تغلغلها في المجتمع وحوكمتها له وبناء مؤسساتها أمرًا أكثر تعقيدًا وأكثر تدرّجًا، لأن سوريا أكبر من إدلب والمجتمع السوري أكثر تعددًا وتنوعًا من المجتمع الإدلبي الذي حكمته سابقًا. ولكن السؤال الأساسي هنا: في أي اتجاه حصل هذا التغيير الذي نتحدث عنه؟ هل الاتجاه هو نحو قبول هيئة تحرير الشام لتعددية المجتمع السوري، أو أنها سوف تتنازل عن فكرة الحكم الإسلامي؟ بالتأكيد لا. هو فقط تغير بالاستراتيجيات، ولكن ليس تغييرا لجوهر فكرة فرض الحكم الديني على سوريا. حتى الآن هيئة تحرير الشام لا تؤمن بأي شكل بفكرة السيادة الشعبية ولا بأي شكل من أشكال الديموقراطية. لنلاحظ مثلا أن قائدهم الجولاني لم يذكر كلمة الديموقراطية ولا مرة واحدة، كل الأسئلة التي توجه له حول هذا الموضوع في الاعلام دائمًا ما تكون ردوده عليها بالتلاعب بالكلام والتهرب من الإجابة المباشرة. وحينما يسأل عن مسألة فرض الحجاب مثلا أو أمور أخرى تتعلق بحقوق المرأة وتقييد الحريات بشكل عام، يتهرب من الاجابة ولا ينفي الأمر. وهذا النوع من اللعب على اللغة الذي يستخدمه في هذه المواضيع يدل على ممارسة نوع من "التقية" ونية التدرج في تطبيق مشروعهم الديني القمعي. وفي نفس الوقت، من الواضح أنه في هذه المرحلة التي يقول عنها "مرحلة انتقالية" قد تمتد إلى 4 سنوات، تجري هناك عملية سيطرة تدريجية على المؤسسات من قبل هيئة تحرير الشام، ومحاولة تغيير الأمر الواقع في المؤسسات والمجتمع السوري بطريقة أنه حينما يأتي وقت كتابة الدستور والوصول إلى الانتخابات سيكون لدينا أمر واقع جديد يثبت فكرة الحكم الإسلامي الذي ينوون فرضه. هناك تغير في التكتيكات، لكن هذا لا يعني أنهم تخلوا عن فكرة الحكم الاسلامي أو حوكمة الفكر الجهادي. هم يقدمون تنازلات مرحلية الان لحيازة نوع من الشرعية الدولية، مثل إعلان التزامهم بتنفيذ الانتخابات في مرحلة ما، لكن قبولهم بالانتخابات لا يعني قبولهم جديًا بالسيادة الشعبية، بقدر ما هي طريقة يستغلونها لتثبيت حكمهم الإسلامي.

 

لا تؤمن هيئة تحرير الشام حتى الآن بفكرة السيادة الشعبية ولا بأي شكل من أشكال الديموقراطية. لنلاحظ مثلا أن قائدهم الجولاني لم يذكر كلمة الديموقراطية ولا مرة واحدة..

  • الاتحاد: وكيف يظهر هذا في ممارساتهم على الأرض؟ كشفت تقارير عديدة عن حالات انتقام طائفي تمارَس ضد العلويين، وانتهاكات بحق الأقليات الدينية في سوريا؟

الكيّال: مع أننا لم نصل بعد إلى انتهاكات طائفية شاملة بشكل ممنهج وضمن خريطة واسعة وبقرارات واضحة من هيئة تحرير الشام، لكن هناك اليوم حالة من "القدرة على الاستباحة الطائفية لمجتمعات الأقليات"، نستطيع القول اليوم إن المجتمعات العلوية خاصة في سوريا أصبحت مستباحة من قبل سلطة الأمر الواقع وميليشياتها، وهم قادرون الآن بأية لحظة أن يقوموا بهذه الانتهاكات تحت مسمى "ممارسات فردية" ويغطوها بوضعها تحت مسؤولية جهات وفصائل ومقاتلين أجانب من المفترض أنها لا تنتمي بشكل مباشر لهيئة تحرير الشام. لكن هذا لا يمكن أن يكون تبريرًا، لأنه في النهاية كل هذه الانتهاكات التي يُزعَم أنها ممارسات فردية، هم المسؤولون عنها، وهم من يضعون هذه الفصائل وهؤلاء المقاتلين الأجانب في قرى تتواجد فيها الأقليات. ولهذا، هذه الانتهاكات التي تسمى "انتهاكات فردية" تتحول إلى نظام فعلي. وكثير من هذه الانتهاكات والجرائم الانتقامية التي تحدث خاصة في المجتمعات العلوية، تمارس تحت مظلة ملاحقة "فلول النظام السابق"، ولو كانت هيئة تحرير الشام تريد منع هذه الممارسات فعلاَ، لكانت وضعت نظامًا قانونيًا واضحًا للمحاسبة. إذا كنت تقول إن ما يجري هو ملاحقة لفلول النظام السابق، فبأي حق وبأي نظام قانوني تقوم بملاحقتهم؟ من المفروض أن يضعوا أولاً تصورًا عن العدالة وطريقة المحاسبة والأمن، لأنه بدون ذلك، ما يحدث حاليًا هو استمرار للحرب الأهلية السورية، ولا اسم آخر له. أن تدخل إلى مناطق وتعتقل وتنتهك بذريعة محاسبة فلول النظام دون أن توضح القانون وإطار العدالة الذي تعمل في ظله، فإن هؤلاء المعتقلين يكونون في واقع الحال "مختطفين" و"مغيبيين قسريًا"، لأنه لم تقم سلطة شرعية باعتقالهم ضمن قانون محدد وتصور محدد عن العدالة، ولا أن هيئة تحرير الشام قادرة أصلا أن تنتج منظومة العدالة هذه، لأن الموضوع معقد جدًا والحرب الأهلية السورية شاركت فيها العديد من الأطراف، وإذا كان هناك نوع من محاكمة مجرمي الحرب خلال الحرب السورية، فإن هيئة تحرير الشام التي تشكل سلطة الأمر الواقع اليوم في سوريا، ستكون أحد الأطراف التي سيتم محاسبتها بجرائم الحرب. ومن المهم الإشارة أنه هيئة تحرير الشام الحاكمة لا تملك حتى الان أدوات السلطة الكافية لفرض ما يريدون من الانتهاك الشامل، هم لا يمتلكون عمليًا إلى الان الا ميليشيات، ويحاولون الآن السيطرة على مؤسسات الدولة وهو أمر صعب ومعقد. من يقولون الآن إن السلطة الجديدة "لا تقمع بشكل واسع ملحوظ"، يتناسون فكرة أساسية جدًا، وهي أنه لحد الان لا يملكون أصلا القدرة على القمع بشكل واسع، هم الآن يقومون بتدريب عناصر أمنية جديدة لأن العناصر التي يملكونها لا تكفي للسيطرة على كامل سورية، ونرى أمامنا اليوم دورات تخريج قوى الأمن التابعة لهم، والتي تخرج آلاف العناصر التي هي فعليًا جهادية وتكفيرية وطائفية، وهذه هي القوى التي من المفروض أن تسيطر على سوريا المستقبل، وحين يكتمل هذا الجهاز الأمني والعسكري الذي يعدونه، أتوقع أن نرى أشكال كارثية من القمع والانتهاكات.

 

لم نصل بعد إلى انتهاكات طائفية شاملة بشكل ممنهج وضمن خريطة واسعة وبقرارات واضحة من هيئة تحرير الشام، لكن هناك اليوم حالة من "القدرة على الاستباحة الطائفية لمجتمعات الأقليات"

 

  • الاتحاد: هناك مقولة رائجة الآن بين مؤيدي هيئة تحرير الشام والمحتفلين بدخولهم دمشق واسقاطهم النظام، بأن ما حصل "هو انتصار أخيرًا للثورة التي خرجت في عام 2011"، كيف تفكك هذه المقولة؟

الكيّال: القول إن ما حصل اليوم في سوريا بعد سقوط النظام هو "انتصار لثورة خرجت في 2011"،  هو كذبة فاضحة. حينما خرجت المظاهرات في سوريا عام 2011، ويمكن أن تسميها ما تريد، وأنا شخصيًا كنت مشاركًا وناشطًا فيها، لا أسميها ثورة، لأن تعريفي للثورة هي التغيير الجذري للعلاقات الاجتماعية، ولا أرى أن ما حدث في الـ2011 كان يتجه أصلا نحو هذا الأمر، لكن ما حدث هو انحلال للنظام السوري القديم والدولة السورية القديمة الذي أدى إلى انفجارات اجتماعية، لكن هذه الانفجارات الاجتماعية لم تذهب باتجاه تغيير العلاقات الاجتماعية السائدة، بل باتجاه تحويلها إلى شكل أكثر رثاثة وأكثر دموية وأكثر توحشًا وهمجية. ولكن بغض النظر عن وجهة نظري في موضوع كون المظاهرات التي خرجت في 2011 يمكن تسميتها بثورة أو احتجاج أو انتفاضة أو شيء آخر، فالحقيقة أن هذه المظاهرات انتهت بعد فترة ودخلت سوريا إلى حرب أهلية واضحة المعالم، وجبهة النصرة التي دخلت دمشق قبل شهر هي اصلا كانت من القوى التي تعتبر بالنسبة لكثيرين "ُثورة مضادة"، هي بذاتها قمعت واختطفت وقتلت أناس محسوبين على الثورة السورية والقوى السلمية للثورة، وحتى أنها اصطدمت مع ما سمي "الجيش الحر"، الذي كان يعتبره البعض "الذراع العسكري للثورة". أي أصلا إذا افترضنا جدلاَ أنه كان هناك فعلا ثورة في سوريا، فجبهة النصرة كانت تمثل الثورة المضادة. كثير من رموز المعارضة السورية إذا اطلعت على حديثهم قبل أشهر فقط عن جبهة النصرة، كانوا يقولون عنها أنها "لا تمثل الثورة"، حتى أنهم أطلقوا اسطورة أن النظام ذاته هو من أطلق الجهاديين من سجونه لتشكيل تنظيمات مثل جبهة النصرة لـ"تخريب الثورة"، ما كان أحد من رموز المعارضة السورية يقبل أن يدافع أو يتبنى جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام، بل كانت تعتبر أحد أطراف الحرب السورية التي "دمرت الثورة". فكيف يمكن الان اعتبار هذه المجموعة التي في ظرف إقليمي ما أصبحت قادرة على استلام السلطة "ممثلة للشرعية الثورية"؟ هذه كذبة، هذه كذبة حتى بمنطقهم، حتى بمنطق المؤمنين بالثورة، هم كاذبون ويعلمون أنهم كاذبون.

 

رموز كثيرون من المعارضة السورية كانوا يقولون عن هيئة تحرير الشام أنها "لا تمثل الثورة"، حتى أنهم أطلقوا اسطورة أن النظام ذاته هو من أطلق الجهاديين من سجونه لـ"تخريب الثورة"، فكيف يمكن الان اعتبار هذه المجموعة "ممثلة للشرعية الثورية"؟ هذه كذبة حتى بمنطق المؤمنين بالثورة، هم كاذبون ويعلمون أنهم كاذبون.

 

  • الاتحاد: بين مؤيدي القيادة السورية الحالية ممن يؤيد أو يغض النظر عن توجهاتها الاسلامية القمعية، من يهاجم من يعترض على هذه التوجهات باسم العلمانية، بمقولة أن "العلمانية كانت أيديولوجيا النظام السابق التي غطت قمعيته، وأن من يرفع شعار العلمانية في سوريا اليوم هم فلول النظام السابق"، كيف تفكك هذه المقولة، وما هي راهنية وأهمية طرح مشروع العلمانية اليوم في سوريا؟

-الكيال: لا أحد لديه أدنى معرفة في الشأن السوري أو عاش في سوريا يستطيع القول أن النظام السوري كان نظامًا علمانيًا أو يحمل توجهًا علمانيًا أو يبث خطابًا علمانيًا بأي شكل من الأشكال. الدستور السوري ذاته كان يوضح هذه المسألة: دين رئيس الجمهورية هو الإسلام، والفقه الإسلامي هو مصدر من مصادر التشريع، ويوضح أن الدولة غير علمانية، بمعنى أنها دولة دين معين، هي دولة تعطي تمييز محدد للدين الاسلامي، هي دولة ليست محايدة دينيًا، وهذا أبسط تعريفات العلمانية. وحتى على مستوى الخطاب، لا أعرف خطابًا لأي مسؤول في النظام السوري الأسدي استخدم يومًا كلمة علمانية. مثلاً حتى أردوغان الذي يمثل تيار إسلام سياسي يقول بالحرف أن تركيا هي دولة علمانية، في المقابل لم يقل أحد يومًا من مسؤولي النظام السوري أن سوريا دولة علمانية أو عرفها بتعريف مشابه. كون النظام لم يكن يفرض أحكام الشريعة على المجتمع بشكل مباشر أو لأنه لم يقم بتحجيب كل النساء بالقوة أو لأنه كان يسمح ببعض مظاهر الحريات الاجتماعية، يجعله هذا نظامًا علمانيًا؟ حتى في النصوص القانونية لقوانين الآداب العامة للنظام السابق كان هناك عقوبات مسجلة لانتهاك قوانين شرعية، مثل الإفطار العلني في نهار رمضان، حتى لو لم يتم تطبيقها فعليًا. النظام السوري أنشأ تحالفًا قويًا مع المتدينين السنة والمشايخ الكبار، مثل الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، الذي ظل مؤيدًا للنظام السوري حتى مقتله. بنى بميزانيات الدولة مجموعة هائلة من المساجد والمدارس الدينية الاسلامية و"معاهد الأسد لتحفيظ القرآن"، هذا نظام كان الخطاب الديني وخطاب الأسلمة جزءا أساسيا من أركان حكمه. والمساحة التي أعطاها النظام للمذهب السني بالتحديد لم يعطِها مثلا للمذهب العلوي. يسجل أيضًا أن النظام السوري تحالف وأعطى مساحة كبيرة للجماعة المسماة بالـ"قبيسيات"، وهي جماعة دعوية نسائية إسلامية والتي كانت جزءًا نشطًا من حركة الصحوة الإسلامية في سورية، وكانت تعمل على أسلمة المجتمع عبر التربية ونظام التعليم، هؤلاء تسلموا من يد النظام نفسه جانبًا أساسيًا من التعليم في شتى المدن السورية، بالاتفاق مع المخابرات السورية. يعني أن هناك أجيال كاملة تربت على يد مدرسات، لسن فقط متدينات بشكل شخصي، بل منظمات في تنظيم جوهره أسلمة المجتمع، وفي مدارس حكومية ليس في مدارس خاصة، بإشراف مخابرات النظام السوري. لذلك الادعاء أن النظام السوري كان علمانيًا هو ادعاء فارغ لا يقترب حتى من الصحة.

أما عن راهنية طرح مشروع العلمانية اليوم في سوريا، فهو الأكثر راهنية، هي القضية الأكثر راهنية من أي شيء آخر، هي تتعلق بجوهر وطبيعة وشكل الدولة التي يتم بناؤها الآن، ماهية النظام الذي سيخضع لقوانينه جميع السوريين في المستقبل. إذا كانت هذه الدولة التي يتم بناؤها الآن ستكون دولة دين معين، فليس فقط أنه لن يكون هناك تغيير للنظام السابق، بل ستكون دولة أكثر تشددًا وسعيًا لأسلمة المؤسسات والمجتمع، ستكون دولة دين معين ودولة طائفة معينة، تقمع حرية المعتقد ولا تؤمن المساواة أمام القانون، ستكون دولة طائفة أغلبية تحوي نظام أٌقليات، وتكون هذه الأقليات غير متساوية مع المسلمين السنة ولكم في "ذمتهم"، وهذا ما سيخلق الكثير من التوترات الاجتماعية والصدامات الطائفية وسيطرة النسخة الأكثر تطرفًا من الدين الإسلامي على الحيز العام المفروضة بعنف أجهزة الدولة؛ العنف الرمزي للهيمنة العقائدية. العلمانية هي قبل كل شيء الضامن الأساسي لمفاهيم الحقوق الدستورية والمساواة أمام القانون.

 

-لا أحد يستطيع القول إن النظام السوري كان نظامًا علمانيًا. الدستور السوري ذاته كان يوضح هذه المسألة: دين رئيس الجمهورية هو الإسلام، والفقه الإسلامي مصدر من مصادر التشريع.. حتى أردوغان الذي يمثل تيار إسلام سياسي يقول بالحرف أن تركيا هي دولة علمانية، في المقابل لم يقل أحد يومًا من مسؤولي النظام السوري أن سوريا دولة علمانية

 

  • الاتحاد: هناك من يؤيد توجهات هيئة تحرير الشام في إرساء حكم إسلامي في سوريا، بذريعة أن "الاسلام هو ثقافة الأكثرية" وأن بناء دولة إسلامية على المذهب السني هو "الديموقراطية الحقيقية" لأنه يمثل دين الأكثرية في سوريا، كيف نفكك هذه المقولة ؟

الكيال: في هذا الادعاء هناك أولاً خلط بين "ديكاتورية الأغلبية" وبين فكرة الديموقراطية، لأنه بكل بساطة إذا لم تكن الديمقراطية مرتبطة بإطار سياسي ودستوري يكفل مبدئيًا المساواة بين الناس الذين يملكون السيادة الشعبية فهي ليست ديمقراطية؛ إذا احتكرْتَ الدولة والحيز العام بذريعة أنك تمثل ثقافة الأغلبية فإنك لا تتيح أبسط أساسيات المساواة للآخرين المختلفين ثقافيًا، وهذه هيمنة فكر وعقيدة معينة وليس ديمقراطية. وهذا فيه شبه لحكم البعث، حيث كان في الدستور السوري مادة تقول إن حزب البعث هو قائد الدولة والمجتمع، وباعتباره "حزب الأغلبية السورية"، كان له اليد العليا على البقية، وبقية الأطراف والأحزاب والأيدلوجيات لم تكن تملك القدرة على منافسته على الحكم بأي شكل من الأشكال، وهذا نمط من أنماط الدكتاتورية القمعية.

أما الأمر الآخر، فما هي أصلاً "ثقافة الأكثرية"؟ إذا افترضنا أن الاسلام السني في سوريا يمثل تقريبًا 70% إلى 80% من الشعب السوري، فهل جميعهم يتسقون بشكل كامل مع النسخة من الدين التي تصوغها وتحددها الدولة أو الفئة الحاكمة؟ أليس ضمن مجموعة الأكثرية هذه رُؤى وتصورات متعددة حتى عن الدين الاسلامي نفسه؟ عمليًا، فكرة أن ثقافة الأكثرية هي من يجب أن تحكم ستؤدي إلى تفكيك الأكثرية، إذ أن هذه الأكثرية نفسها سوف تتحول إلى مجموعة أقليات، لأنه ما دام لدينا دولة هي من تحدد نسخة من الدين هي النسخة المقبولة والحاكمة وتحكم باسمها، فستخرج مجموعات من هذه الأكثرية لا تتطابق مع هذه الصياغة المتعالية لدينهم، حيث أن هناك جهة متعالية هي الدولة تصوغ نسخة متعالية لدين هذه الأكثرية، وتقدمها على أنها نسخة "الدين الصحيح"، وبطبيعة الحال سيكون هناك أناس ينتمون لهذا الدين لا يتماهون مع هذه النسخة المقدمة لهم عن دينهم، وخصوصًا أن الفئة الحاكمة هي مثل هيئة تحرير الشام، التي تتبنى نسخة أكثر تطرفًا للدين والأقرب للنسخة السلفية، لذلك، فالكثير من الناس المنتمين للأكثرية التي يمارس الحكم باسم تغلّب ثقافتها، سيرفضون هذه النسخة من الدين، وبالتالي سوف يتحولون لأقليات. يعني على سبيل المثال، الاسلام الأشعري أو الاسلام الصوفي، أو تيارات اسلامية أخرى، أو مشايخ لديهم طرق ووجهات نظر أخرى، أناس مسلمون سنيون يتبنون أنماط مختلفة من التدين، أناس غير متدينون، علمانيون وحتى ملحدين محسوبين على الطائفة السنية، كل هؤلاء لن يتماهوا مع نسخة الدين التي تفرضها الفئة الحاكمة. وعمليًا تتفتت الأكثرية هذه، ويحصل نوع من الاستبدالية، حيث أنه يتم استبدال الشعب بالأكثرية، والأكثرية يتم استبدالها بالمذهب الأقرب للفئة الحاكمة، والمذهب الأقرب للفئة الحاكمة يتم استبداله بالحزب أو القوة السياسة المسيطرة على البلد، فيحصل تدريجيًا تقليص للقاعدة الشعبية التي تحكم باسمها، ليصل الأمر إلى هيمنة جهة واحدة هي أقلية تدعي تمثيل روح الشعب والأكثرية وبالتالي تسيطر على كل السلطات باسم هذا الاحتيال المسمى "ُثقافة الأكثرية". في حين أن الديمقراطية تقوم على فكرة تساوي الفرص في الحكم وإمكانية التغيير أيضًا، لذلك لا يمكنك أن تحدد "ثقافة الشعب" بشكل أحادي ولمرة واحدة وأخيرة وترسخها بقوانين ومواد دستورية ومؤسسات تعليمية وإعلامية لتعيد إنتاجها بشكل دائم، وهذا لا يتيح مجالاً لأي شكل من أشكال التغيير في أي مرحلة إلا بالعنف عمليًا، بالعنف المادي والأيديولوجي.

قد يهمّكم أيضا..
featured
الاتحادا
الاتحاد
·27 كانون ثاني/يناير

مسؤول أمريكي: نزع سلاح حماس سيصاحبه "نوع من العفو" عن الحركة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·27 كانون ثاني/يناير

الولايات المتحدة: 28 ضحية تحت وطأة العاصفة القطبية ونقطاع الكهرباء وخلل الأداء الرسمي

featured
الاتحادا
الاتحاد
·27 كانون ثاني/يناير

تقارير: الضفة الغربية تشهد نقصا حادا في الغاز المنزلي

featured
الاتحادا
الاتحاد
·27 كانون ثاني/يناير

تقرير إسرائيلي: قوة مراقبين أوروبية بدأت العمل إلى جانب موظفين فلسطينيين على معبر رفح

featured
الاتحادا
الاتحاد
·27 كانون ثاني/يناير

إضراب شامل في طمرة غدًا الأربعاء احتجاجًا على العنف والجريمة والتقاعس الحكومي

featured
الاتحادا
الاتحاد
·27 كانون ثاني/يناير

بمبادرة النائب عودة: لجنة المالية تناقش رفع ضريبة الأرنونا في الناصرة وتوصي على التفكير مجددًا

featured
الاتحادا
الاتحاد
·27 كانون ثاني/يناير

طقس الثلاثاء: انخفاض درجات الحرارة واحتمال لأمطار متفرقة غدا

featured
الاتحادا
الاتحاد
·26 كانون ثاني/يناير

إيطاليا تستدعي سفير إسرائيل بعد الاعتداء على شرطيين ايطاليين تواجدا قرب رام الله بمهمة رسمية