حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن انتهاء معاهدة "نيو ستارت" للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا، يعد لحظة خطيرة للسلم والأمن الدوليين.
قال غوتيريش في بيان "للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، نواجه عالماً بلا قيود ملزمة على الترسانات النووية الاستراتيجية لروسيا والولايات المتحدة، الدولتان اللتان تمتلكان الغالبية العظمى من المخزون العالمي للأسلحة النووية".
تجدر الإشارة إلى أن معاهدة "نيو ستارت" التي تُحدد عدد الرؤوس الحربية النووية المنتشرة وأنظمة الإطلاق الاستراتيجية لكل من روسيا والولايات المتحدة، ستنتهي اليوم الخميس.
وفي هذا السياق، أكد غوتيريش أنه خلال الحرب الباردة وما تبعها، ساهم الحد من الأسلحة النووية بين البلدين في منع وقوع كارثة، وعزز الاستقرار، فضلا عن أنه ساهم في تجنب حسابات خاطئة كارثية عند اتخاذ تدابير أخرى بجانبه، قائلا إن الأهم من ذلك، فإنه سهل تقليص آلاف الأسلحة النووية من الترسانات الوطنية. وأضاف أن الحد من الأسلحة الاستراتيجية حسّن بشكل كبير أمن جميع الشعوب، ولا سيما سكان الولايات المتحدة وروسيا.
وقال إن انتهاء معاهدة "نيو ستارت" جاء في وقت بالغ الخطورة، لافتا إلى أن خطر استخدام الأسلحة النووي يكون الأعلى منذ عقود.
واستطرد "مع ذلك، في هذه اللحظة العصيبة، يجب أن نكون متفائلين. إنها فرصة لإعادة ضبط الوضع وإنشاء نظام للحد من الأسلحة يتماشى مع الوضع سريع التطور،" مردفا "أُرحّب بأن رئيسي البلدين أوضحا أنهما يدركا زعزعة الاستقرار التي يتسبب فيها سباق التسلح النووي، وأن هناك حاجة لمنع العودة إلى عالم تنتشر فيه الأسلحة النووية دون قيود. يتطلع العالم الآن إلى روسيا والولايات المتحدة لتحويل الأقوال إلى أفعال".
وفي الوقت نفسه، حث غوتيريش البلدين على العودة إلى طاولة المفاوضات دون تأخير، والاتفاق على إطار عمل بديل يُعيد فرض حدود قابلة للتحقق، ويُقلل المخاطر، ويُعزز الأمن العالمي المشترك.
جدير بالذكر أن معاهدة "نيو ستارت" التي دخلت حيز التنفيذ في 2011، كانت آخر اتفاقية للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة بعد انسحاب واشنطن من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى في 2019.
وأعلنت وزارة الخارجية الروسية، يوم الأربعاء، أن موسكو تقبلت عدم رد أمريكا على مقترح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشأن معاهدة "نيو ستارت" كأمر واقع، مشيرة إلى أن روسيا ستتصرف بمسؤولية وحكمة بعد انتهاء معاهدة "نيو ستارت".
وجاء في بيان وزارة الخارجية الروسية بشأن انتهاء معاهدة "نيو ستارت": "تعتزم روسيا الاتحادية التصرف بمسؤولية وحكمة، وصياغة سياستها المتعلقة بالأسلحة الهجومية الاستراتيجية بناءً على تحليل دقيق للسياسة العسكرية الأمريكية والوضع الاستراتيجي العام".
وأضاف البيان: "في ظل الظروف الراهنة، نرى أن الأطراف في معاهدة "نيو ستارت" لم تعد ملزمة بأي تعهدات أو تصريحات متماثلة في سياق المعاهدة، بما في ذلك أحكامها المركزية، وهي حرة تماما من حيث المبدأ في اختيار خطواتها اللاحقة".
وتابع: "لا تزال روسيا الاتحادية على أهبة الاستعداد لاتخاذ تدابير عسكرية وتقنية مضادة حاسمة للتخفيف من حدة أي تهديدات إضافية محتملة للأمن القومي".
وأضاف: "لم نتلق أي رد رسمي من الولايات المتحدة على المبادرة الروسية عبر القنوات الثنائية، من الناحية العملية، تنظر بلادنا إلى هذا التطور كأمر واقع، مما يستدعي أخذه بعين الاعتبار عند تحديد سياسة روسيا المستقبلية في هذا المجال".
وأوضح البيان أن التصريحات العلنية من الجانب الأمريكي لا تشكل أساسا للاستنتاج بأن الولايات المتحدة مستعدة لاتباع إجراء "نيو ستارت" الذي اقترحته موسكو. واختتم البيان بالقول: "باختصار، يتم تجاهل أفكارنا عمدا. ويبدو هذا النهج خاطئا ومؤسفا".
وفي أيلول/سبتمبر 2025، اقترح بوتين على واشنطن تمديد شروط المعاهدة عاما واحدا، وهو ما وصفه نظيره الأميركي بأنه "فكرة جيدة"، لكن الولايات المتحدة لم تمض في ذلك. وكانت الولايات المتحدة قد انسحبت عام 2019 من معاهدة كبرى لنزع السلاح أبرمت عام 1987 مع روسيا بشأن الصواريخ النووية المتوسطة المدى.
وتعد معاهدة “نيو ستارت” التي تم توقيعها في العام 2010، آخر اتفاق للحد من التسلح يربط واشنطن وموسكو. وكانت تحدد لكل طرف سقف 800 منصة إطلاق وقاذفة ثقيلة، و1550 رأسا نوويا استراتيجيا منتشرا، مع آلية للتحقق.
ويمثل انتهاء المعاهدة انتقالا إلى نظام نووي أقل ضبطا، رغم أن عمليات التفتيش كانت قد عُلّقت عام 2023 على خلفية اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في شباط/فبراير 2022.
وخلال محادثة الأربعاء مع نظيره الصيني شي جينبينغ، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن موسكو "ستتصرف بحكمة ومسؤولية في هذا الموقف"، بحسب ما أفاد مستشاره الدبلوماسي يوري أوشاكوف خلال إحاطة صحافية. وأضاف أوشاكوف "نظل منفتحين على البحث عن سبل للتفاوض وضمان الاستقرار الاستراتيجي".
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال الأربعاء إنه ليس لديه إعلان في الوقت الراهن، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيتحدث "لاحقا" في هذا الشأن، من دون تحديد موعد. وأشار روبيو إلى أن الولايات المتحدة ترغب في إشراك الصين في أي مناقشات.
وصرّح للصحافيين "لقد كان الرئيس واضحا في الماضي أنه من أجل تحقيق سيطرة حقيقية على الأسلحة في القرن الحادي والعشرين، من المستحيل القيام بشيء لا يشمل الصين، بسبب مخزونها الواسع والمتزايد بسرعة".
وكان الكرملين قد أعرب الثلاثاء عن قلقه من تداعيات انتهاء المعاهدة، محذرا من عالم قد يجد نفسه "في وضع أكثر خطورة من ذي قبل".
ودعا البابا لاوون الرابع عشر الأربعاء إلى "منع سباق تسلح جديد"، تعليقا على انتهاء المعاهدة. وقال "أحضّكم بشدة على عدم التخلي عن هذه الأداة من دون ضمان متابعة ملموسة وفعالة لها”، معتبرا أنه “أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى استبدال منطق الخوف وعدم الثقة بأخلاقيات مشتركة".
من جهتها، أعربت برلين عن قلقها إزاء موسكو، وحمّلتها مسؤولية الفشل. ودعت فرنسا، القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، القوى النووية الكبرى – الولايات المتحدة وروسيا وكذلك الصين – إلى العمل من أجل نظام دولي للحد من التسلح. واعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية أن نهاية "نيو ستارت" تعني "زوال أي حدّ لأكبر الترسانات النووية في العالم للمرة الأولى منذ الحرب الباردة"، محمّلة بدورها روسيا مسؤولية هذا التراجع.
كذلك، دعت الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ايكان) روسيا والولايات المتحدة إلى الالتزام علنا باحترام حدود المعاهدة "أثناء التفاوض على إطار جديد".
وقالت المديرة التنفيذية للحملة ميليسا بارك في بيان إن “الخطر حقيقي في أن يتسارع سباق التسلح الجديد بين الولايات المتحدة وروسيا – مزيد من الرؤوس النووية ووسائل الإطلاق والمناورات النووية – وأن تشعر قوى نووية أخرى بضرورة اللحاق بالركب”.








