لا زال يشير أكثر من صوت نقدي وتقدمي في العالم الى خطورة ما قد تقدم عليه حكومات غير قليلة، في باب الاستخدام المستقبلي السيء لإجراءات الطوارئ الضرورية المعمول بها اليوم، بحق، في مواجهة انتشار فيروس كورونا. للتوضيح والتوكيد: هناك فعلا ضرورة في إجراءات كثيرة غير عادية بل متطرفة أحيانا، لدرجة المساس بحريّة الحركة والتنقل، كالتزام البيوت، لكن المقياس يظل مدى الحاجة الحقيقية إلى الإجراءات ومدى تناسبها مع الهدف المعلن عنها.
لقد سبق أن تعالت هنا أصوات سلطوية مصابة بالاستبداد، دعت الى فرض خطوات رقابة وملاحقة ضخمة يجريها "جهاز الأمن الداخلي" (شاباك)، بقرار حكومي فقط ومن دون رقابة قضائية وبرلمانية. حكومة اليمين المؤقتة بزعامة بنيامين نتنياهو استخدمت نظام الطوارئ الذي يتيح للشاباك والشرطة أيضًا ملاحقة مواطنين بوسائل تكنولوجية تسمح باقتحام هواتفهم، كخطوة وُصفت بـ "الاحترازية" لمكافحة انتشار الفيروس. وهنا طُرحت حجج قويّة حول خطورة هكذا إجراء بمعزل عن رقابة مشددة لمنع إساءة استخدامه، وذهب آخرون حدّ رفض استخدامه بأي شكل كان.
هناك منظمات حقوقية تقدمت بالتماس ضد هذا القرار الحكومي، لكن الحكومة الإسرائيلية تعنتت وتمادت معلنة في بلاغها المقدم للمحكمة العليا أمس الثلاثاء عن نيتها تكليف الشاباك بإجراء مهمات أخرى بحجة تشديد التقييدات لمواجهة تفشي الفيروس و"مساعدة" لوزارة الصحة. هذا إجراء تزداد خطورته بشكل هائل في ضوء النيّة لوضع صلاحية الاشراف على إطلاق العنان للشاباك والشرطة، بأيدي سياسيين يمينيين شعبويين كلهم معادون للديمقراطية وبعضهم مستوطنون وجنرالات سابقون، هم الوزراء أمير روحانا، يوآف غالنت، يوفال شطاينيتس وزئيف الكين.
لقد أصاب المفكر اليساري التقدمي الأمريكي البارز نعوم تشومسكي حين لاحظ: "عندما نتغلب على هذه الأزمة (الكورونا) بطريقة أو بأخرى فإن الخيارات المتاحة ستتراوح بين تركيبة دول وحشية شديدة الاستبداد، او إعادة بناء جذرية للمجتمع مشددين على مصطلحات أكثر إنسانية كالاحتياجات البشرية بدلاً من الربح الخاص. هناك احتمال أن ينتظم الناس ويقوموا بخلق عالم أفضل بكثير الذي سيواجه المشاكل الهائلة التي نواجهها في المستقبل القريب" (أنظروا ترجمة مقابلة معه في "الاتحاد"، 10 نيسان الجاري).إن مستحيلٌ ضمان قيام العديد من الحكومات، وبينها هذه اليمينية الإسرائيلية، بكبح شهوة استبدادها من تلقاء نفسها! لذلك، فأي إجراء يتجاوز وينتهك الحريات والحقوق المختلفة التي تنص عليها المواثيق الدولية، وليس القوانين الداخلية للدول فقط، يجب أن تُثبت حاجته بالضرورة، وأن يكون تحت رقابة وبشفافية بأعلى مستوياتها.







