في رحيل رفيقتِنا أولغا توما طوبي (أم الياس): هؤلاء هنَّ أمَّهاتنا فآتني،"بآنتي"، بمثلهنَّ

single

الرفاق: أولغا، الياس وتوفيق طوبي



مرَّت سنون على الرَّحيلِ القسْريِّ للقائدِ الشُّيوعيِّ، توفيق طوبي، وقد كُتِبَ الكثيرُ عنه بعد غيابِهِ، يعدُّون مناقبَهُ ويُبرِزون نقاطًا حيَّةً مُشِعَّةً ومفصَليَّةً في حياتِهِ وحياةِ شعبِنا ومسيرتِهِ عبر ستَّةِ عقود أو يزيد..
لكنِّي في صباحيَّتي هذه، أريدُ إرسالَ حُزمةٍ من أشعَّةِ الشَّمسِ الدَّافئةِ، ساعةَ شُروقِها، على شُرفةِ رفيقتِنا أولغا توما طوبي (أم الياس) لتُكوِّنَ مع طلَّتِها البهيَّةِ وطَلِّها النَّاصعِ طيفَ قوسِ قُزحٍ، بألوانِهِ الزَّاهيةِ النَّادرةِ والقادرةِ على أن تُضيفَ إلى حياةِ ودربِ زوجِها، البُطوليَّة والنِّضاليَّة، ومسيرتِهِ مع رفاقهِ، طعمًا آخرَ، كيْ تبقى كَما كانتْ في حياتِهِ..
تلكَ هيَ رفيقةُ حياتِهِ وطريقِهِ في عُسرِها ويُسرِها، فهي التي سَعِدَتهُ وأسْعَدَتْهُ وسُعِدَتْ به ورعتْهُ وحضنَتْهُ واحتضنتهُ وخدمَتْ جميعَ من أحبَّ، وأحبَّت كلَّ من أحبَّهُ، فحصدَت غبطةً بعدَ أنْ زرعا، معًا، الخيرَ في هذهِ الأرض.
لقد استقبلَتْ بترحابٍ كلَّ من قصدَ الدَّارَ العامِرةَ، دخيلاً كان أو مستنجِدًا أو سائلاً أو مستغيثًا أو مستشيرًا أو مستجيرًا أو ضالاً أو يتيمًا، لقد كانَ البيتُ مَفتُوحًا في أيِّ ساعةٍ من ساعاتِ اليومِ الأربعِ والعشْرين، وكانت تحسنُ وِفادةَ كلِّ من دخلَ البيت..فلم تقلْ لهُم أُفًّا ولم تنهرْ ولم تقْهرْ ولم تكْهرْ ولم تكْرهْ ولم تتعذَّرْ وكانتْ تضَعُ عنهم الوِزْرَ ويحطُّون رِحالَهُم وأتعابَهُم عندْهُ..
كُنَّا نَعرِفُها ونُعرِّفُها في طفولتِنا، بآنتي أولغا، (خالتي/ عمَّتي أولغا)، حيثُ عمِلَتْ ورفيقاتِها، اللواتي كَبُرَ اسمُهم معنا وكبُرْنا بهِم، ماجي كركبي وعَفيفة زين الدِّين ونجاة سمعان، من أجلِ رفاهَتِنا ورفاهِنا وتثقيفِنا وتدريسِنا وترفيهِنا في أعمالٍ يدويَّةٍ ورحلاتٍ وأناشيد وطنيَّة ما زلنا نحفظُها، عن ظهرِ قلبٍ، نشيدَ الحصادِ وعليكِ منِّي السَّلام، فقد حفرنَ في أفئدتِنا ذكرياتٍ عطِرةً، لا تُنسَى، وحفظنَ لنا حضانةً مُميَّزةً، وحيدةً وفريدةً من نوعِها، حيثُ كانتْ الحضاناتُ العربيَّةُ نادرةً في حيفا، وحافظنَ على كلِّ منْ نَهَلَ من ذلك الينبوعِ الصَّافي، أن يشربَ ماءً فُراتًا ونَميرًا وسَلسَبيلاً هنيئًا، ما استطعنَا.
أردْتُها كلمةَ حقٍّ ووفاءٍ لمربيةٍ فارقت الحياة لتوِّها، مع رفيقاتها اللواتي دأَبْنَ بإخلاصٍ وتفانٍ ومحبَّةٍ، نشعرُ بها حتَّى يومِنا هذا، مع كلِّ لقاءٍ كان لنا معها، ونذكُرُ كيفَ كانَتْ تنادِينا بأسماءٍ محبَّبةً لها، عندما كنَّا في الرَّوضةِ زُغْبُ الحواصلِ.
كانتْ "آنتي"أولغا تنادي أختي وضحى، وما زالت تناديها، مرحبًا يا "وِحْشِي" تحبُّبًا، الأمر الذي كانَ يُثيرُ ويُغيظُ والدتي، لكنَّ لقاءَهُما كانَ دائمًا جميلاً ولطيفًا بذكرياتهِ..
آنتي أولغا ورفيقاتها عاهدنَ أنفسَهنَّ على بناءِ مستقبلٍ سعيدٍ لجيلٍ جديدٍ، يتابعُن مسيرةَ الأسلافِ لمدرسةٍ أعدَّت لشعبِها أن يعيشَ في وطنه بعزٍّ وكرامةٍ وإباءٍ، وأعددنَ مجتمعًا طيِّبَ الأعراقِ، فهؤلاء هنَّ أمَّهاتنا فآتني،"بآنتي"، بمثلهنَّ:
رَبِّي سَأَلْتُكَ بِاسْمِهِنَّ أَنْ تَفْرُشَ الدُّنْيا لَهُنَّ
بالوَرْدِ إنْ سَمَحَتْ يَداكَ وبِالبَنَفسَجِ بَعْدَهُنَّ
حُبُّ الحَياةِ بمنَّتَينِ وَحُبُّهُنَّ بَغَيرِ مِنَّة
اليوم تطيَّبَ ثرى حيفا بكِ، واليوم، أيضًا، تطيَّبْتِ بثرى حيفا، فلروحكِ الطَّاهرة سلامٌ يا طيِّبة القلب..
منمشي وبنكفِّي الطَّريق..

قد يهمّكم أيضا..
featured

هذا ليس نتنياهو بل هو الشعب!

featured

نتنياهو ورداء الحمل

featured

نصر أسوأ من هزيمة

featured

مئة لتل أبيب وخمسة الآف ليافا

featured

لانهاء عهد الاحتكار النووي الاسرائيلي

featured

حبيبنا الباقي فينا بقاء الحياة

featured

اليسار اللبناني والتحوّل الجنبلاطي: تريّث مشوب بالقراءات الإقليمية!

featured

"وأشباح ماركس"