في كتاب الدكتور الفرنسي ريمون مدولي (شفاء بالضحك)، ذكر فيه أن الضحك يشفي من الصداع والانهيار العصبي ويسهِّل الهضم ويخفِّف من أمراض القلب وتصلب الشرايين.. الخ وقيل ايضًا إن الضحك يساعد على شد الوجه ويمنع التجعد وهو رياضة مميزة وهامة لراحة تقاسيم الوجه، لكن علماء الاجتماع وعلماء النفس ورجال السياسة والمؤرخين سيذكرون مستقبلًا أن الضحك أيضًا يقهر ويغيظ الاحتلال، واذا كان البكاء هو سكين الضعف الذي يذبح شخصية الفرد حسب الذين يحاولون جر المشاعر الانسانية الى منصات التفوق والاستعلاء، ويعتقدون أن البكاء هو درجة من درجات الانهيار وتفتت الشخصية، وقوة الاقوياء أن تكبت مشاعرك وتبقى مبتسمًا أمام الصعاب والنكبات والأحزان.
في جحيم الاحتلال يكون البكاء والدموع والذل والارتعاش والذعر والخوف والقلق وقضم الأظفار هي الأجزاء التي تلتصق بعضها مع بعض لتكون شخصية المحتل المهزوم الذي يشعر بالدونية والضعف وعدم القدرة على المواجهة، حيث العلاقة تبرز من تحت حذاء الاحتلال الذي يدوس ويدهس ويهدم ويسلب ويهجر ويصادر، ومحاولة المحتل الوقوف والدفاع والمقاومة والرفض والاصرار، وبين الاحتلال والمحتل تصبح الحياة مستحيلة لكن الوقت والظروف تبقى في حالة انتظار لإنهاء هذه الحالة المقيتة، الشاذة، المرفوضة، انسانيًا وتاريخيًا وسياسيًا.
الحياة ليست ما عاشها الواحد منا
بل ما يتذكرها
وكيف يتذكرها
ليحكيها...
والحكاية لم تعد تمسك الورقة والقلم ويتشبث التاريخ في الصفحات ويتناقل كل مؤرخ الحكاية حسب وجهة نظره وأفكاره، وقد يصطاد الكذب والخداع ويقلب الحقائق ويدير قرص أرغفة خبز الحكايات الى ناره وحسب ما يريده في موقده التاريخي، واذا قالت العرب أعذب الشعر أكذبه، أقول كلما حاول التاريخ التغطية افضحه، الحكاية اليوم تتألق بالصدق الانساني والموقف العبثي أمام لوحة سيريالية، التأمل في الوانها وتفاصيلها بحاجة الى أعصاب من الفولاذ لأنها ببساطة المواجهة العنيدة للاحتلال.
المثل (أضحك تضحك لك الدنيا) لن يكون في هذه الحكاية مجرد ضحك يدغدغ باطن القدم لكي نرى اذا كانت الدنيا تضحك لنا، بل على باب الحكاية يقف الجنود يقرعون الأبواب ويثيرون الرعب والخوف في نفوس الكبار والصغار، واذا كان القرع روتينيًا ومعروفًا في النهار وفي الليل في الصباح وفي المساء اذًا الدنيا لا تضحك بل هي عابسة ومقهورة.
شريط وثائقي بعنوان (اضحك تضحك لك الدنيا) صنعته عائلة الحداد في مدينة الخليل، عائلة فلسطينية تعيش يومها وليلها في انتظار وصول جنود الاحتلال، يأتي الجنود يسألون ويفتشون ويعتقلون ثم يذهبون تاركين الحزن والأسى والغضب، وسكان البيت يلملمون قهرهم وأثاث منزلهم الذي تبعثر وتكسر.
في ليلة شتوية باردة حضرت مجموعة من الجنود الى منزل عائلة حداد في مدينة الخليل، تفتيش ليلي عادي ومتوقع، خلال التفتيش يحمل الاخوان "ضياء وشذا" الكاميرا البيتية حيث يوثقان عملية الاقتحام وخلال التصوير يأخذان في الضحك طوال الوقت مما يثير غضب الجنود، ويقوم الجنود بإيقاف الشاب "ضياء" مقابل الحائط حتى يتوقف عن الضحك، ولا يتوقف "ضياء" ويبقى الضحك سيد الليلة الشتوية التي اصر الاحتلال ان يقلقهم، ويخرج الجنود أمام جحافل ضحكات "ضياء" والكاميرا التي سجلت هذه اللحظات الهامة في حياة عائلة تعيش بين أنياب الاحتلال وشفاه الضحكات الساخرة.
(اضحك تضحك لك الدنيا) شريط وثائقي سيعرض في اطار مسابقة الافلام القصيرة في مهرجان برلين السينمائي، سيكون صورة وثائقية لمعنى الاحتلال، وكان "بتسيلم"، مركز المعلومات لحقوق الانسان في الأراضي المحتلة قد منحت الكثير من العائلات الفلسطينية كاميرات لتوثيق الحياة اليومية الصعبة والضيقة التي يعيشونها.
في هذا العصر لم يعد التاريخ محصورًا في الكتب والمجلدات والموسوعات فقط، بل تستطيع الكاميرا وعبر التصوير والافلام توثيق التاريخ دون تزوير، وتوثيق الظلم والانتهاكات ضرورة تاريخية للشعوب التي تسعى للانطلاق نحو الحرية.
صدى الكاميرا لا يردد الصوت نفسه، بل حين يعرض الفيلم الوثائقي يتكلم بمئات اللغات، الجميع يرى الحقيقة، والتاريخ يحتفظ غدًا بهذه الصور، ألم تتاجر الصهيونية بصور العذاب النازي والمعتقلات والبشر الذين تعرضوا للجوع والموت.
اضحك الصورة تطلع أحلى، هكذا يقول المصور حين نجلس أمامه كي نتصور، لكن عائلة الحداد في الخليل صنعت من الضحك موقفًا فلسطينيًا خاصًا، موقفًا هزليًا ساخرًا من جنود يقتحمون الحياة الليلية لعائلة تريد أن تحيا بهدوء.
الصورة هي لحظة عابرة تدوم الى الأبد، لكن الفيلم الوثائقي هو كل اللحظات المتحركة والناطقة، ينقل الحاضر الى المستقبل، ولن يستطيع أي مؤرخ التغيير والتزييف وإخفاء الحقائق، عاشت الكاميرا... عاشت الحقيقة.
