*لا نرى في الإعلانات على أي فضائية، امرأة عاملة كادحة، أو فلاحة أو نساء غامقات البشرة أو نساء مُمتلئات، بل إعلانات لمستحضرات تفتيح البشرة (!) ونساء أنيقات، رشيقات سعيدات دون شك بكل ما حولهن، لا يقلقهن الفقر أو البطالة أو الوضع السياسي الاجتماعي، بل كأنهن (ومن معهن في الدعاية) على كوكب آخر*
في العديد من الأحيان، نحن نتاج تناقضات بين قيم المجتمع وقيم التربية التي نتلقاها، وبين ما نتشرّبه، طوعًا وقسرًا، من سَيل الرسائل الإعلامية والدعائية من حولنا؛ فلا عجب أننا لا نستطيع دومًا تحديد موقف كامل ومتكامل وثابت بما يخصّ مكانة المرأة - فنحن في تناقضات لا نهاية لها، لدينا المضامين التي نستقبلها من مسلسلات الدراما العربية (أمثال باب الحارة أو غيره) التي ترسّخ دونية المرأة، حيث يحاول البعض إعادتنا 100 سنة إلى الوراء، ثم لدينا برامج الواقع التي تقفز بأشخاص مغمورين إلى الشهرة الفورية، ولدينا أيضًا البرامج التي تستضيف الفنانين والمشاهير بكامل عدّتهم ولباسهم (أو عدمه) وحياتهم المترفة ومظهرهم الأنيق، ولدينا من ثم الدعايات التلفزيونية، التي تصوّر لنا المرأة العربية تارةً في أدوارها النمطية، وتارةً كامرأة متحرّرة وسعيدة وراضية – أمر بعيد كل البعد عن واقع غالبية النساء العربيات.
أذكر الدعايات التلفزيونية هنا لسببين: الأول هو كونها تُعرّف في دراسات الإعلام وتأثيراته على المستهلك كواحد من أهم المضامين التي تبثها الفضائيات العربية وخاصةً الإعلانات التي تتمثل في ما يسمى البرامج المكفولة، أي المموَّلة من المعلنين؛ أما السبّب الثاني، لاحتوائها على عامل المـُتعة لجذب المشاهد وبالتالي ضمان تمرير المضمون الترويجي دون علاقة بالمنتج، أهميته وقيمته. حيث لا نرى في الإعلانات على أي فضائية، امرأة عاملة كادحة، أو فلاحة أو نساء غامقات البشرة أو نساء مُمتلئات، بل إعلانات لمستحضرات تفتيح البشرة (!) ونساء أنيقات، رشيقات سعيدات دون شك بكل ما حولهن لا يقلقهن الفقر أو البطالة أو الوضع السياسي الاجتماعي، بل كأنهن (ومن معهن في الدعاية) على كوكب آخر.
قرأت، مؤخرًا، أن وُجهات الإعلانات في العالم العربي تُحدّد وفقًا لسوق الاستهلاك السعودي، حيث يكمن سوق الاستهلاك الأكبر للمُعلنين في العالم العربي؛ فنفهم من هنا، ما هي منطلقات شركات الإنتاج والدعاية في تصوير النساء كما يظهرن في الإعلانات وفي تقديم البرامج، وبالتالي إلى أي مجتمع يسعى أصحاب الفضائيات تلك: مجتمع مستهلك يلهث وراء المنتج الذي سيجعله أقرب من الشخصية المُروّجة للمنتج ومن شكلها في الإعلان. فنجد أنفسنا نشاهد دعاية لمنتج ما على القناة الثانية أو العاشرة الإسرائيليتين (أو على الفضائيات اللبنانية تحديدًا) ومن ثم مشاهدة دعاية على فضائية عربية (وأخصّ بالذكر الـ إم.بي.سي أساسًا)، إعلانان للمنتج نفسه – الأوّل يروّج للمنتج باستخدام مهين لجسد امرأة بحيث لا يُفهم كيف تخدم التعرية الجزئية أو الكلّية تسويق المنتج إلا بمنطق "الجنس يبيع"؛ أمّا الإعلان الثاني – فهو أيضًا يروّج للمنتج باستخدام امرأة إلا أنها بكامل لباسها حتى غطاء الرأس (الحجاب)، واضعًا نموذجًا آخر للنساء كما تراه الفضائية وواضعي سياساتها.
من جهة أخرى، عدم تحقير جسد المرأة لا يعني احترامه واحترام عقلها وقدراتها وكيانها، فكي تظهر امرأة على شاشات بعض الفضائيات عليها أن "تحتشم" وفق معايير مدير الفضائية، وليس وفقًا لمعاييرها هي، وهذا أمر آخر تجدر الإشارة إليه. فبالرغم من مظاهر الحشمة التي تفرضها بعض القنوات على معلنيها ومقدمات برامجها وأخبارها، إنما أين الحشمة نفسها من مظاهر الانحلال الفكري والسياسي في برامج القناة نفسها؟ ضعوا جانبًا قضية الحجاب ومنطلقات تصوير المرأة العربية بهذه الصورة قالبًا وقلبًا، إنما الأمر الوحيد الهام في هذه الدعايات – من جهتي- هو إثبات هذه الماكنات الدعائية أنه بالإمكان إنتاج إعلانات مُتلفزة غير مُحقِّرة لجسد المرأة، بل لا تستخدمه بتاتًا بصورة جنسية واضحة، وأيضًا الحصول على نسب بيع كبيرة في سوق الاستهلاك العربي عمومًا.
