رام الله الوفية (1)

single


لم تبرح ذاكرتي هدهدات والدي وهو يغني لأشقائي اطفالا ليناموا بين ذراعيه تحت الخيمة ثم زينكو الاونروا (وكالة الامم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الادنى، التي مولها البيت الابيض اداة للتوطين) في كوخ من طين على كلمات اغنيته "وين ع رام الله" و"حيّد عن الجيش يا غبيشي". لعقود ما فهمت معنى "رام الله" وخجلا لم اسأل، براءة  طفل اعتقد بوجوب معرفة معناها والعيب ان تسأل عن معنى الحليب حرصا على شعور ام وأب حرقت قلبه عذابات اللجوء. عاد اسم رام الله لنبش حلم دفين حين استردها في 1988  ابو عمار وصحبه الطيبين من مخالب ثعلب لئيم احترف اختلاس العنب والناطور بكفين عاريتين يتصدى لجيوش مستعمرين منح ملوكهم ما ليس ملكهم ولا حقهم بعد ان استثمروا بسخاء مال  وسنوا للامم قوانين، وبفقراء اضطهدوهم وجعلوهم حطبا لمكائدهم فقالوا لهم كذبا فلسطين ارض بلا شعب فخذوها آمنين.  بمبدأ راعي بقر أرعن "البقاء للأقوى" تسلح لصوص العصر بجهلة العرب واطماع إمّعاتهم ومنافقيهم لجاه معيب خانعين.
ها أنا يا أبي في "بطن الهوا" في رام الله بين اهلي وصحبي مستأنس امين. ها انا يا امي،  من جديد في كرم الين صاليبا، ام لؤي وان شئت ام صطيف وزوجها محمد غضية نستعيد ذكريات بيروت وصوفيا وعبق السنين. آه، آه، وآه ثالثة ورابعة الى ان ينقطع النفس؛ كم تمنيت من لسانك بحبهم لا يكف عن اللهج وعناق في بيروت وصوفيا ودمشق  تتدثرين. وأبي لو كان حيا لأغني له معزوفة غناها في شبابه استخارت صلاة بعلية ترتوي بعشق مزية عانقت الريح الباردة فوق ارض فلسطين يوم كان القسام يجوب القرى بجبته وعمامته؛ مصيرا  ومطيرا على جناح الزمان الزاجل الوصية ليطرحها عباءة على كتفي هيلاريون كبوتشي وحارس املاك  اهل الايمان عطا الله  حنا الامين في حرب مقدسة  احترف طعنها في الظهر اقزام امراء وزنادقة بتحريم الحج الى القدس مفتين. لا عليك يا ابي لقد سكنني الرعد المنبعث من اعماقك وفي عيني برق عينيك وانا اتذوق خبز رام الله  من يد امرأة يلفها الحزن تحرس جمر فرنها يسمر خبزا للمشتهين، ومن فوال رملاوي  وآخر عكاوي ترنو اليهم اعين شقيق في صبرا يطعم اهل شاتيلا فولا وحمصا مدمسا يُنبت عشق فلسطين.
منذ مطلع الاسبوع؛ ابو اليسار منغشل بالسؤال والبحث عن اسهل الطرق واقلها محاسيم (جمع محسوم وتعني حاجز تفتيش لعسس الاحتلال)؛ حراسها ارهابيون عنصريون بأهل البلاد الاصليين متربصين وقطعان ارهاب "دفع الثمن" باجرامهم من عقال الحق فالتين.  لا؛ لم يسبق  للعالم ان حمى ورعا  عنصريين كهؤلاء. النازية قدست الآري وجعلته فوق البشرية، فاجتمع البشر يتقدمهم ستالين العظيم  يترصده تشرتشل بمكر مهين، ويتحين الفرص خادم تجار السلاح  روزفلت اللئيم، حتى اذا أفلت شمس النازية انبرى المتربصون. راح الحمر يجتثون الوباء الخبيث والزوج  (روزفلت – تشرتشل) اللعين  منشغل بسرقة عقول ومكائن برلين، وتسليم فلسطين لربيبتهم الصهيونية تحضيرا لحرب باردة موقدين. في جنوب افريقيا اجتمع عمال العالم واهل الخير فانتصر مانديلا للانسانية والعالم اجمعين. الا في فلسطين؛ فأحفاد هتلر وضحاياه اتحدوا لحقوق اهل فلسطين ناهبين متنكرين، وعهرة البيت الابيض باحقاد حروب "الفوضى الخلاقة" لحماية امن اسرئيل ناعقين متذرعين، وجلالتها؛ عدوة الاشتراكية تتبختر بتاج فوق رأسها ألماسته صقلت بعرق ودماء فقراء الكومنولث (الثروة العامة) وبلا سلطة وضح النهار وعلى  رأس الاشهاد تمادى خدمتها مستغلين ارث خيانة وعمالة صحراوية قديم.

 

 

*عند ضريح محمود درويش*

 


قاصدين العمرة والصلاة  في الاقصى والقيامة، كان لا بد من الوضوء عند ضريح محمود درويش والتبرك بمقام وذكرى الموءود ظلما وخيانة؛ عرفات المسكين. ارتحلنا عن كفر ياسيف يوم الخميس مودعين ورام الله قبلتنا قاصدين. يمينا فارقنا الطريق 85 باتجاه حيفا على الطريق رقم 70 منحدرين. بعد القاء السلام على حيفا الشامخة دلفنا الى الطريق رقم 6 الى الجنوب متوجهين. سميرة حارسة عشق املاك كنزنا في المقعد الخلفي لسيارة فارهة بقياس وميزان ابو اليسار المرفل بثوب الكرم ونخوة  بحرها فياض لاحتضان المحتاجين والسائلين  وباسمه يشهد اهل الكرم في صوفيا والعكاويين، كيف لا ومن لا يعرف من اهل عكا آل مرقس ونمرهم؛ جمل امه والجليل  لا يكون الا جاهلا او متعاميا. انحرفنا وكفاكم الله شر الانحراف، يمينا مودعين غير آسفين طريق الجنوب رقم 6، لنتبع لأربعة مائة متر الطريق رقم 444 ثم نهجره يمينا ايضا ونحن ممن لا يحب اليمين ونفيض شفقة على اليمينيين سائلين لهم الهداية اجمعين الى طريق اليسار وعدالته التي لا تستكين.
استعان ابو اليسار بصديق على الخليوي أكثر من مرة، وداعيكم لا يكش ولا ينش تتجاذبه الافكار وحيرات لا تحصى، وتحاليل منطقية كفرت بالواقع المر المسكون. سميرة تقدم النصح اللازم لكنها لا تجزم بعلمها بجغرافيا المكان خوفا من التيه على شوارع وطرقات على اصحابها ممنوعة وللسائبين من المستوطنين موهوبة. هذه بيت حنينا، قال ابو اليسار، لقد ابتعدنا قليلا، كان يجب ان ننحرف يسارا عند المفرق السابق. توقف ابو اليسار واستعان عبر الموبايل (الهاتف الجوال) بصديق كأننا في حضرة صاحب برنامج  من يريد ان يكون مليونيرا... مع احترامنا للمبدع  جورج قرداحي؛ لكننا لا نقبل بالريالات النفطية، كيف لا وهو من كفر بزندقة اصحاب الريالات فترشح لعضوية مجلس النواب اللبناني عله يفوز بمقعد يريحه من بطر، صلف وتكبر اهل الريالات المجبول بماء الجهل والغباء والتكبر المنبوذ.
فوق الجسر المؤدي الى بيت حانينا عدنا ادراجنا الى الخلف كيلومترات قليلة حيث انتصبت فوق الطريق شارة سير تقرأ اسم مستعمرة عنصرية لن اخدش سمع واحساس قارئي باسمها وسكانها المستوردين حقوق غيرهم مغتصبين. عدة مئات من الامتار حيث مستديرة فسيحة والى  يمينها انتصب  السور العنصري يترصدنا وناصبوه لم يتعظوا درس جدار برلين، وغيتوهات عزل النازيين في بولندا وبعذاب قلتهم ومعاناتهم جاء مرتديا آلامهم مشردو الرأسمالية الى الثراء متلهفين؛ ليستولوا ويسرقوا ارض الفلسطينيين وبدروس الاسلاف الرومان،  البزنطيين، الصليبيين، الفرنسيين، الانجليز والاميركان غير عابئين.  تملكني الخوف ونحن نقترب من مركز التفتيش الارهابي؛ ليس خوفا ولا رعبا منهم؛ فانا صاحب الحق وصاحب الارض  مطمئنا الى اوراق ثبوتية تحمل تاجا يحرسه فهدان سرقهما من القارة السوداء ملك مستبد؛ فأهداهما لمن امرت دمغ توصيات رعايتي وتسهيل عبوري وهي  ربيبة ما سرقت ايدي المستعمرين وحامية نعمتهم في حاضرهم ومستقبلهم على مر السنين. عبرنا الحاجز بأمان وانا اتجنب النظر الى اصحاب الوجوه الصفراء من سجانين لأهلي وكل مشاريع السلام العادل رافضين.

 

 

*مدخل قلنديا.. مدخل بيروت*

 


ما ان تجاوزنا المعبر ومدخل مخيم قلنديا حتى انتصب مدخل بيروت عند الاوزاعي في وجهي،  وجوه باعة احرقها لهيب الشمس والحصار. الاحتلال شر الصهيونية  والطائفية ميراث المستعمرين؛ هذه وتلك  ابنتا نكاح الرأسماليين العالميين بعاهراتهم المحليات والمحليين. الافقار والتجويع ثمرتهما الطبيعية والتشريد غايتهم النهائية. لكن هل الطمع والاستجداء والتسول والوساخة نتيجة منطقية؟ كلا، ردت مخليتي وقد انتصبت  صورة محتال الاوزاعي (مقام الامام الاوزاعي عند مدخل بيروت الجنوبي، التقى عنده الفقراء والمهجرون وغزاة اشباه تجارللطريق حاشرين وللمارة خانقين) الذي احترف التسول مستدرا عطف السائقين من والى اعمالهم واشغالهم غادين وهو جالس يعيق حركة السير والسائقين على قطعة خشبية واطئة فوق اربعة "لورمانات" او دواليب فولاذية لمحرك ميكانيكي مات قبل سنين..
كان النصاب يجلس فوق خشبته فتعتقده فاقد القدمين ولوّن وجنته بأحمر شفاه تحسبه حروق الشمس في صيف سقيم.  عائد الى بيتي، وعند مفرق المطار على خط الاوزراعي لمحت النصاب يسير على قدميه حاملا مقعده الخشبيي، احقا هذا هو المتسول الذي استدر عطفي والكثيرين؟  سألت نفسي، ولما خففت سرعة عربتي لمحته يتوجه الى دراجته النارية ليدير محركها بقدم قوية فوق رجل سالمة واخرى صحيحة وينطلق مغادرا المكان بأكثر مما كسب بجهد عرقه اي عامل كد بجد عشر او اثنتي عشرة ساعة.  عدت الى حيث انا فاذا ابو اليسار يفاصل البائع لا على سعر الاسطوانة بل على جشع بائع كمين اراد لو تمكن  يبيع  جميع اسطواناته بل ربما استلابنا السيارة واموالنا ايضا. ارجوك لا تشتر واغلق النافذة؛ ناشدت ابا اليسار الذي كثيرا ما تغلبه عواطفه وانفعالاته فتجعله ضحية نصاب مبتدئ. هذا قرص لعساف، وهذا لفلانة وذاك لعلان وخامس لأبي عمار، عروض لا نهاية لها لبضاعة مقلدة تهدر المال وتنحر البيئة. ما ان تخلص ابو اليسار بشق الانفس من بائع المحسوم (الحاجز) حتى التفت الي وراح يرميني بأقذع الاوصاف جاعلا من نصير الاحتلال وعدو من كانوا على جور الاحتلال كاظمين. انتهت طوشة الغجر بيننا وما اكثرها من طوشات في مناسبات مماثلة بصمت قطعته عبارات مواطن سألناه عن الطريق الى رام الله، فقال تابعوا الطريق في هذه الاتجاه وعندما تبلغون "الرمزون" (الرمزور؛ بالعبرية تعني شارة السير الضوئية) التفوا يسارا. اضطررنا للتوقف اكثر من مرة الى ان بلغنا شارة سير تأمر بعدم متابعة الطريق والانحراف يسارا، فكان ان نصحنا مواطن بخرق القانون كون 70 مترا لا تستحق الالتفاف وهدر الوقت؛ فرفضنا نصحه للقانون مطيعين. (يتبع)

 


(باحث، كوفنتري، المملكة المتحدة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مَن الإرهابي ومَن الضحية؟!

featured

معركة في ظلال اعمدة بعلبك

featured

إما أن نكون شعبا، ونتصرف كشعب، أو لا نكون...(2-2)

featured

قطاريز ومطاريز!

featured

مرحى لقرية المقاومة الشعبية

featured

سنحيي ذكرى النكبة حتى تلتئم جراحها !

featured

انتخابات الناصرة: حجب ثقة عن النهج الجبهوي والحزبي، أم غمامة عابرة؟

featured

عن الذكرى العاشرة، ويهودية الدولة، والرفيق توفيق طوبي