وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر

single

*إلى طيب الذكر الأستاذ جمال طربيه*

 

 

ليتني كنت الطبيب المداويا، لطلبت الترياق من العراق، ولصنعت تابوتًا من أرز لبنان، وباقة ورد من حدائق "دمشق"، ورطبت قبرك من سيول الجليل وأحرقت بخور بيت لحم، وزرعت شجر السنديان ليظللك من قيظ الصيف.
رحلتَ أيها البار، دون ان تطرق الأبواب ودون ان تسمع صفارة الإنذار، ذهبت الى مثواك مطمئنًا راضيًا، وخلفك جُعبَة الحضور بعد الغياب لقد مُسِحت بالزيت على طريقة القدماء، ودخلت خباء عشتار، التي عَلَّمت الإنسان الحب، فقد أحببت الجميع: الوطن البلد، الشعب الإنسان أينما كان. ذلك الإنسان وريث الفلاحين الطيبين، الذين يكسبون قوتهم بعرقهم وجهدهم، لم تعرف المجلومانية (الشعور بالعظمة) رغم الثراء المعنوي، بعيدًا عن بريق المادة، ملتزمًا بأدبيات العمل الجماهيري لما فيه الخير العام. هذا العمل الجماهيري الذي يتعدى الزمان والمكان، ولا يحسب الوقت ولا الشواقل، كمن احرق أوراقه وسفنه وزّجها في البحر، ناذرًا نفسك، ملتزمًا بالثوابت الجبهوية رغم كل العثرات واضمحلال بعض الاطر، التي افرزها يوم الأرض.
المرحوم – جمال - والجمال من أسماء الله الحسنى اسم على مسمى، فقد كنت ودودًا، لين الجانب هادئ المزاج، مؤمنًا بالعمل الجماعي، يحب ويُحَبّ، مصلحًا ذات البين، دمثًا، بعيدًا عن التجريح، مصغيًا متفهمًا للآخرين، إنَّه مثال الزعيم الذي ورد في السّير والأساطير. بيته العامر وسط البلد، يفوح عبق قهوته الصباحية في الحيّ، ناشرًا تواصله مع رَبْعِهِ وأهل بلده وأصدقائه ومعارفه، لقد بوركت سخنين بك وتباركت بأبنائها البررة، الذين اختطوا الطريق القويم بعيدًا عن العائلية والفئوية.
وفي هذه العجالة، لا يسعني إلا ان أتقدم بالتعازي إلى عائلته الكبرى والصغرى، ولكل ذي ضمير حيّ، يُثمِّن الصالحات، لان خير الناس انفعهم للناس.
أمّا التعزية الخالصة، إلى زوجة الفقيد، إلى السيدة أم الأدهم، لأقول لها: لكِ العز والمجد يا أم الأدهم، أنت الجندي المجهول، الزوجة الصبور، والأم الرؤوم، احتضنتِ الجميع بالحب والحنان، ضحَّيتِ بالكثير من مردود الحياة الزوجية، والمشاركة العائلية فأنت الملاك الذي يسير على الأرض، ويطهّر العشب الأخضر واليابس، رعيت هموم الأولاد، وشؤون البيت، لتربي عائلة صالحة، خيِّرة، فحياك الله، وحيَّى الرحم الذي حَمِل هذه الثمرة، وتبقى الأصالة سيّدة المواقف في زمن انتهكت الإنسانية، وانقلبت المعايير، وأضحت الوقاحة جرأة، والبلطجة عنترية، والباطل عدلا.
لك الرحمة با أبا الأدهم، ولنا العزاء.

 


(حيفا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الدروز... وما الفارق بين رائد فتحي وإيال غباي؟!

featured

صواريخ روسيا المضادّة للطائرات لا تعمل

featured

دفاعًا عن طلابنا الثانويين

featured

من مدينة "همبورغ" [2]

featured

العطاء المطلوب

featured

اضطرابات البروستات

featured

رحبعام زئيفي – الصورة البشعة خلف "الأسطورة"