"بحر من حكايات"

single

*الا يعلم الغاصب المحتل ان حكايتنا طويلة ولا تنتهي وباقية ما بقي البحر الهادر الغاضب ويظن ان لا شاطئ آخر لسفننا التي ابحرت بمن طردوا وشردوا لسواحل البحر المتوسطي اذا كانت هذه المواقع امتلأت بالنازحين، فمنها ستكون الطرق المحتملة للعودة*


قادتني روحي التواقة نحو بحر حيفا متأبطا حماستي ومستخدما كياستي اللبقة في اصطحابي صديقيّ الكريمين ابراهيم وعلي خطيب من بلدي، ركبنا السيارة ولم نهتد بسهولة للوصول الى "اهل البحر" فعرجنا اولا الى شارع ابو النواس فهناك "اصل الحكايات" واول الذكريات في "مقهى فتوش"  في تصور البحر الهادر من حيفا يدخل ويغرق هذا الشارع على وسعه عابرا جدران المطحنة التي طحنت غضبه عنوة وبمائه المالح تصورت ان يصحو اهل البحر على سرد حكايتهم المنسية بعد ان يعمدهم موج وبحر حيفا بمياه الحقيقة والتاريخ.
حضرنا معرض " اهل البحر " ضمن "قلنديا الدولي 2016" الذي يرفع في نسخته شعار "هذا البحر لي" والذي عقد في قاعة المركز الثقافي العربي في حيفا  (مبنى السيتي هول سابقا). بشارع شبتاي ليفي (كان هذا احد  مندوبي اللورد روتشيلد في بيع الأراضي والسمسرة وهو شفتاي ليفي والذي عين نائبا لرئيس  البلدية العربي حينذاك حسن شكري  حيث احتل مكانه بعد وفاة شكري، وبهذا يكون شبتاي ليفي أول يهودي نائبا لرئيس بلدية عربية، وأول يهودي يترأس بلدية عربية قبل قيام الكيان الصهيوني، وكل ذلك بمجهود حسن شكري، كما عمل على إشراك العديدين من أقربائه في قضية بيع الأراضي والسمسرة لليهود)..
غرقنا برائحة عرقنا التي اغرقت المكان. لكنني فوجئت بمعرض رائع وراق وبمبادرة بل بمبادرات فنية جماعية اولى في فلسطين التي تضع البحر كمادة فنية بصرية من خلال معرض يجمع الفوتوغرافية بكافة تفرعاتها، تصوير فوتوغرافي وتركيبات بصرية معتمدة على التصوير واعمال فيديو آرت،ان المعرض وثيقة اتهام للغاصب المحتل لفقدان الانسان الفلسطيني لهذا البحر سواء  الذي بقي قريبا منه ويعيش حالة حصار وقهر يومية: في عكا وحيفا وجسر الزرقاء وغزة او الذي طرد من سواحله ويمنع من زيارته  كالطنطورة وغيرها من القرى الساحلية التي هدمت وشرد اهلها. الا يعلم الغاصب المحتل ان حكايتنا طويلة ولا تنتهي وباقية ما بقي البحر الهادر الغاضب ويظن ان لا شاطئ آخر لسفننا التي ابحرت بمن طردوا وشردوا لسواحل البحر المتوسطي اذا كانت هذه المواقع امتلأت بالنازحين، فمنها ستكون الطرق المحتملة للعودة.  


* "الحمام الذي غير مجرى التاريخ "


سأحدثكم عن خطيئة الملك  داود مع بتشيبع حيث يروي الفصل الحادي عشر والثاني عشر من سفر صموئيل الثاني "زنى داود" مع امرأة قائد جيشه، فبينما كان جيش المملكة يحارب تحت قيادة يوآب بني عمون، كان داود يتمشى على سطح قصره: "فرأى من على السطح امرأة تستحم، وكانت المرأة جميلة المنظر جدًا فأرسل داود وسأل عن المرأة فقال واحد: أليست هذه بتشيبع بنت أليعام وامرأة أوريا الحثي؟ فأرسل داود رسلا وأخذها، فدخلت إليه فاضطجع معها، وهي مطهرة من طمثها، ثم رجعت إلى بيتها".[33] ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل حملت  المرأة من داود الذي استدعى أوريا زوجها من ساحة القتال ليضاجع إمرأته فيظهر الولد على أنه ابن أوريا، لكن أوريا رفض: "فقال أوريّا لداود: إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام، ويوآب وعبيد سيدي نازلون عن وجه الصحراء وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب واضطجع مع إمرأتي، وحياتي وحياة نفسك لا أفعل هذا".[34] فلما عاد أوريا إلى ساحة القتال بعث داود برسالة إلى يوآب قائد الجيش يطلب فيها وضع أوريّا في موضع شديد القتال حتى يموت، وهو ما حصل فعلا إذ مات أوريا وتزوج داود إمرأته وولدت الصبي: "وأما الأمر الذي فعله داود فقد قبح في عيني الرب جدًا".[35] فنزل الوحي على النبي ناثان ليقرع داود، وهو ما يرويه الفصل الثاني عشر، حتى أن النبي أخبر داود أن الصبي المولود من بتشيبع سيموت وهو ما حصل فعلا، فسبب ذلك حزنًا شديدًا لداود، غير أنه بعد أن أنهى حداده بإلحاح رجال الدولة، اضطجع مع بتشيبع إمرأته فحبلت وولدت له النبي سليمان.[36] ويختتم السفر بأن جيش الملك داود انتصر على بني عمون وأخذ منهم غنائم كثيرة. الى هنا ما روته الكتب المقدسة، ويبقى السؤال اليس بامكاننا ادراج  هذه القصة القصيرة والمقدسة ضمن القصص والحوادث التي غيرت مجرى التاريخ كما المؤرخ الذي قال: تصوروا لو ان انف نفرتيتي او كيلوبترا كان اطول  لكان هذا الامر قد  غير وجه التاريخ؟ عجبي.


* لا أمن ولا أمان بدون قيم التسامح


ان مفهوم العدو الخارجي لم يعد احد يهتم بامره ما دام  العدو الداخلي في مجتمعنا ينتصر علينا يوميا  ويتسرب وينتشر بهيكلنا ونسيجنا الاجتماعي . هذا العدو لم يأتنا من كوكب آخر بل جاء كاحد نتائج الظلم  والاضطهاد والفقر والجهالة والتعصب والأحكام المسبقة والكراهية والحقد على ما  كل ماهو إنساني ومن علوم وثقافة ومن فكر وحضارة ومن إيمان وفضيلة ومن فن وإبداع.  هذا العدو الباطن فينا أثار الرعب أينما حل حتى أنه جعل منا هياكل بشرية لا حول لها وقوة في مواجهة هذا الوباء المجتمعي القاتل الذي استوطن قرانا ومدننا وحياتنا، العنف يفترسنا بمخالبه وانيابه ويؤجج في كل مكان الصراعات العبثية.الى جانب هول المواجهة، فمتى سنعي اليوم بالذات واكثر من اي زمن مضى حجم المسئولية على كل واحد منا في التصدي لهذا الوباء المجتمعي من خلال اتحادنا على الوحدة الانسانية والتي بسلاح قيم التعايش والتسامح والمحبة وسيف العدالة وقوة الايمان بالانتصار، وكذلك بالعلم والمعرفة والثقافة فهي قادرة على تحرير عالمنا الصغير في كل مكان من وطننا الغالي، من هذه الآفة (العنف)  المليئة بالموت  وبالظلم والدم والانتقام  والجور والحقد والعدوان والدمار. 

قد يهمّكم أيضا..
featured

بحث: لا ترْثوا الصحافة المطبوعة!

featured

في انتظار رئيسة

featured

ركلات، شتائم وقَصٌّ للشعر: انتهت المظاهرة في النبي صالح بساعات من التعذيب

featured

"المحرقة" في غزة وظلام ليل حكام إسرائيل

featured

دكتوراة في موضوع التحريض على الحزب الشيوعي

featured

هل الحلّ ولادة دولة؟

featured

لا لتوريط لبنان!