مقاسات ثورة

single

في العام 1967 كنتُ طفلاً لم أتجاوز الحادية عشرة. لم يتَّسع إدراكي حينها لفهم المصطلحات الكبيرة. بيدَ أن غريزتي، بوصلتي، جعلتني أحس بأن حدثًا جليلاً قد وقع. النكسة. كلُّ الكبار في محيطي بكوا دموعًا، انهمرت من عيون أنهكتها المذلة وسكنها الهوان.
ما زلت أذكر تلك الليلة. في شرفة منزلنا في القرية، عندما كان والدي وبعض الضيوف يتسامرون حول طاولة جَمَعت رجالًا ونساءً من ذلك الزمن. باب المنزل يئن تحت ضربات يد ثقيلةٍ. منادٍ يصيح بعربية أوروبية معجومةٍ. لم ينتظر "الضيف" وسارع بفتح الباب. دخل المنادي. رجل طويل وسمين، ذو وجه أبيض غلبته حمرة ظاهرة إما من فرط مجهود بذله في اعتلاء درجات البيت وإما من فرط عنجهية أفرغها متلذذًا على مسامع من كان في الشرفة.
"شو جبغان/جبران، وين القاهغ/القاهر، وين الظافغ/الظافر.... راحت عليكو... وينو ناصغ/ناصر كدينا/قضينا عليه...". قال هذا وقهقه بنشوة تردُّدات صوتها سكنت أذنيّ ولم تبرحهما.
لم يؤهِّل أحد بهذا الضابط الإسرائيلي، الذي اقتحم بيت جبران وبيوتًا أخرى ليعيّرهم بهزيمة جمال عبد الناصر، من كان رمزًا معشوقًا عندهم وعند العرب كلهم. وليعيّرهم أيضًا بما استعرضه جيش مصر في ذلك الوقت من سلاح أعد لضرب إسرائيل، فكان في مقدمة الصورة والاستعراض صاروخان أسمهما الظافر والقاهر.
لم يرحِّب أحد بهذا الضابط الإسرائيلي، فأفرغ ما حملت غدد حنجرته من سم وقيح في منبت الخصب والحياة، في كرامة من حضر من رجال ونساء ذلك الزمن. أفرغ ورحل، لكنه ترك في تلك الليلة جروحًا لم تبرأ.
قيل الكثير وسيقال أكثر في ثورة الياسمين وثورة اللوتس. لكني كم كنت أتمنى أن يكون هذا الضابط وأمثاله من "عرب أطاعوا رومهم، عرب وباعوا روحهم، عرب... وضاعوا" على قيد الحياة ليشهدوا كيف تدمل جراح وتشرئب قامات وكرامات.
في ميدان التحرير لم يستعرض شعب مصر ظافرَه وقاهرَه، لأن الشعب إن صحا هو الظافر وهو القاهر. في ميدان التحرير انتصر حق وزهق باطل أرخى قمعه وإذلاله لعقود. هناك في الميدان تحرر شعب من خوفه وخنوعه وأعتقد أن الصخر فهم ذلك وكذلك البشر، فكيف لا وإذا الشعوب هبت حتمًا ستنتصر!
لا أحد يستطيع أن يسترجع ما وهبته صدور التونسيين والمصريين من حب ومتاريس. لا أحد يستطيع أن يمحو ما سطرته هذه السواعد وما أعادته من ثقة وعزم، ولا أحد يستطيع أن يطفئ شعلة هذه المنارة التي حتمًا ستكون هادية وملجأ لكلِّ بحارٍ ضال، ودليلاً شاخصًا لبر الأمان.
ما أقوله لا يدخل في باب الشعارات، فهذه استحقاقات أُنجزت وادُّخرت في خزائن التاريخ الجاري وذلك الذي لم يولد بعد.
أقول هذا وأعي أن المخاطر للالتفاف على ما أنجز ما زالت متربصة في كل منحنى وعلى كل رابية. فالثورة، كما قلنا، استهدفت نظام مصر القامع والمتجبر، لكنها عرَّت كذلك مجموع ما كان فاعلًا وسائدًا من قوى سياسية.
قادها شباب غير مؤطر في حزب تقليدي وبدون راية أيديولوجية من تلك التي تقاسمت الرؤى بين فكر قومي عروبي تقليدي أو وطني تقليدي أو إسلامي تقليدي. كل أصحاب هذه الرؤى كانوا في ظل ما يجري وعلى مؤخرة هالة النيزك المشع الهابط في ميدان تحرير.
شباب آمنوا أن الشعب يريد إسقاط النظام وآمنوا ونادوا بالحرية والكرامة والعدالة، ولأنهم كانوا من كانوا وكيفما كانوا أنتجوا حالةً أدَّت إلى أن يكون الجيش والمؤسسة العسكرية ضابطي إيقاع المرحلة المسماة انتقالية، هذه الحالة حبلى بأجنَّة كثيرة وكلنا يتمنى أن تنجب نظامًا يوفر لمصر ولشعبها ما لأجله سُفكت دماء شهداء التحرير وهتفت حناجر شبابه.
ما جرى في مصر شكَّل حالةً مميزة وفريدة، وخلط أوراق من اعتقد أنه يكمش بين يديه خزائن اليقين والمعرفة وحوَّلها بدوغمائية عمياء إلى معايير ومقاييس مقدَّسة لا تتأثر بعوامل الزمن ولا بمتغيِّرات التاريخ والمجتمعات والدول.
فأنا لا أفهم كل من يتشاوف أو يفاخر بثورة مصر وما زال يدافع عن نظام دولة حكامها غارقون بما مارسه نظام مبارك وزين الدين بن علي؟ كيف لمن يحيِّي سواعد شباب تونس ومصر، وهم يهتفون من أجل الحرية والكرامة ورغيف الخبز، أن يقف إلى جانب نظام يقمع كلَّ حرٍ في بلده وسجونه ملأى بمن جرؤ على التفوه بكلمة أو كتابة مقال ينتقد فيه موبقات ذلك النظام.
كيف لمن انتشى وفرح بعزيمة شباب مصر وهم يحطِّمون حواجز الخوف ويعيدون لأمة بعضًا من ثقة وأمل، ويخيِّبون ظنَّ أعداءٍ اطمأنوا وحسبوا أن هذه الشعوب لن تلد من عقم ومصيرها العدم، أن يستنتجوا، بالقياس، أن أنظمة كتلك التي تحكم في إيران أو قد تحكم باسم القاعدة وابن لادن هي أنظمة تقف في نفس متراس وخندق شباب مصر وعنها يجب الذود ولها يستوجب التمجيد والتهليل؟!
لأولئك أقول أن مقاييسكم عرجاء لا تنتمي لهذا الزمن ومواقفكم فيها من السطحية والخفَّة ما سيبقيكم كجذوع الشجر المتخشبة تطفو على أمواج بحور الشعوب الهادرة وتيارات أنهارها الدافقة.
مقاسات ما جرى في مصر كبيرة جدًا والقياس منها وإليها واجب. وها هي لا تترك أحداً إلا ويتلحَّف بها وكل يفعل ذلك على مقاسه. فأمريكا ترحِّب وتدعم وكذلك الأوروبيون وحلفاء نظام مبارك يهنئون، وأشباه نظام مبارك ينظِّرون والقوميون ينتشون، والاشتراكيون يؤدلجون والإسلاميون يتأهَّبون والشيوعيون يتحفَّزون وما إلى ذلك....
لذا قلت وأقول إن الأيام حبلى والرياح عاتية، لكنني أقول إن جراح تلك الأيام/ أيام النكسة تندمل، وعار ما جرى ويجري منذ أربعة عقود يمحى ويندثر، ذلك لأن ما تولَّد من ميدان التحرير أثبت أن الخوف سيكون دومًا في فراش الظالم، وأن الشعب مهما غفا على ضيم، حتمًا سيكون هو الغانم، وهذا بفضل من فصَّل ورتق وخاط، لا بفضل من بعتيق لباسه يستعد للولائم.

للاقتباس:
"فأنا لا أفهم كل من يتشاوف أو يفاخر بثورة مصر وما زال يدافع عن نظام دولة حكامها غارقون بما مارسه نظام مبارك وزين الدين بن علي؟ كيف لمن يحيِّي سواعد شباب تونس ومصر، وهم يهتفون من أجل الحرية والكرامة ورغيف الخبز، أن يقف إلى جانب نظام يقمع كلَّ حرٍ في بلده وسجونه ملأى بمن جرؤ على التفوه بكلمة أو كتابة مقال ينتقد فيه موبقات ذلك النظام"

قد يهمّكم أيضا..
featured

ألعنف يضرب من جديد..

featured

رسالة مفتوحة إلى صديقي النائب محمد بركة

featured

قذائف ليست "بمشيئة الصدف"!

featured

رسالة شرقي متخلف الى امبراطورية الديمقراطية

featured

العِشرة الرّديئة تُفسد الأخلاق

featured

ألرؤية المصرية للمصالحة وموقف حزب الشعب

featured

العلَم الذي لا يرفرفُ

featured

"بحر من حكايات"