لا أنسى هذه العبارة التي سمعتها من سائق سيارة أجرة في القاهرة عندما رفع صوت جهاز الراديو في سيارته ليسمعني صوت طفلة تغني أغنية لأم كلثوم قائلا: هذه هي الطفلة المعجزة!
سألت: ماذا فعلت هذه الطفلة المعجزة؟ هل توصلت إلى نظرية جديدة في الرياضيات أو في الفيزياء أو الكيمياء، أم أنها أوجدت برنامج كومبيوتر متميزًا، تتنافس على اقتنائه الشركات العالمية أم ماذا؟ ما هي المعجزة التي صنعتها؟
أجاب: إنها طفلة في العاشرة من عمرها وتتقن أغاني أم كلثوم بشكل رائع. فقلت في نفسي: كل إنسان فرحته على قدر عالمه وأفقه ومحيطه.
لا أوجه أي نقد للمطربين والمغنين والمؤدين للأغاني والراقصين والراقصات ولا لأي نوع من أنواع الفنون الراقية، فالفن الراقي دلالة على المجتمع الراقي، ولكن الشعوب التي لا تحلم إلا بالغناء والرقص، ولا تستثمر في المواهب الأخرى والقدرات العلمية وتشجعها وتدعمها، كما تدعم الرقص والغناء، تبقى متخلِّفة وضعيفة.
ألا تستطيع مجتمعاتنا أن تنتج معاجز من نوع آخر، غير الطبل والمزمار؟ هل نكتفي بالقول إننا أوجدنا الصفر، ونحن منذ مئات السنين نجلس تحته بلا حراك، وعشرات الفضائيات تلهي الناس بتفسير الأحلام وقراءة الطالع وفك السحر والفتاوى المضحكة المبكية؟ فالنظر الى طفلة تغني كما لو كان غناؤها معجزة، ليس سوى دليل على العجز أمام المعاجز الحقيقية.
نفتخر، ومن حقنا أن نفتخر، مثلا بعالم كيمياء، ولد في مصر، وحاز على جائزة نوبل، ولكن الفضل في ما وصل إليه هذا العالم، يعود إلى "الطاعون" أو "الشيطان الأكبر": الولايات المتحدة،التي لا تكتفي بما لديها من ثروات طبيعية وبشرية هائلة فتسطو على ثروات الشعوب الفقيرة وأدمغتها وتوفر لها المجال ومختبرات الأبحاث والوسائل المختلفة، ليصل العلماء إلى القمة من العطاء، ولو بقي هذا العالم المصري وغيره من علماء العالم الثالث في بلدانهم الأصلية، لما تعدت وظائفهم وظيفة الأستاذ الجامعي الذي يلقي المحاضرات ويصحح الامتحانات، في أحسن الأحوال، فما يصرفه العالم العربي على البحوث العلمية يقترب من الصفر، وعالم كيمياء مصري كهذا ليس لديه ما يفعله في مصر أو في غيرها من "بلاد العرب أوطاني".
الأموال الطائلة التى تصرف على برامج الترفيه، ولا أنكر على الناس حقهم في الترفيه، هل سأل مبذروها أنفسهم كم مدرسة أو كم منحة دراسية أو كم مستشفى أو كم مكان عمل يمكن توفيرها لخدمة المجتمعات التي لا تجد ما تأكل، والأمية ضاربة أطنابها؟
هل نكتفي ببرامج الترفيه ومسابقات الغناء والرقص وبرامج المواهب التي لا تتعدى الألعاب البهلوانية وصيد الأفاعي، ونجلس نتفرج ولا نفكر بأي عمل آخر، وبمواهب أخرى تفيد المجتمع؟
تحضرني رواية قرأتها منذ سنين عن الأمير الذي أحضروا بين يديه شابا ماهرا يرمي الابرة فتدخل في خرم إبرة أخرى وهكذا حتى تتكدس أمامه كومة من الابر واحدة في خرم الأخرى، فأمر له الأمير بجائزة: مئة درهم ومئة جلدة! سألوا الأمير عن هذا القرار العجيب فأجاب: مئة درهم لمهارته ومئة جلدة لأنه يستعمل هذه المهارة في أمور سخيفة لا تسمن ولا تغني من جوع.
كل الشعوب ترقص وتغني وتتمتع بألعاب السيرك والألعاب البهلوانية ولكنها لا تكتفي بالرقص والغناء والبهلوانيات فإلى جانب كل ذلك تصنع أشياء أخرى وتبرز مواهب وطاقات أخرى.
متى نرى أصحاب المليارات الذين لا يعرفون عدد ملياراتهم، يستثمرونها في الإنسان، بدلا من أن يبذروها على حديقة حيوان في لندن، مخافة أن تغلق أبوابها، أو على دعم "يورودزني"، مخافة أن يعلن إفلاسه أو دعم إرهاب داعش أو غيره؟
ربما أحلم، ومسموح لي أن أحلم!