الرفيق الراحل الدكتور حسن متانيفي
حملني رفاقي فوق ما تحتمل نفسي وطوَّقوني بالصعب العسير عندما ارتأوا أن أنوب عنهم فأقف هذه الوقفة الرهيبة ولساني يأبى علي ان أخاطب حبيبنا وتوأم روحنا أبا شادن بغير ضمير الحاضر رغم ادراكي انه قد صار بعيدا بعد المدى يقبع هناك في حضرة الغياب السرمدي.
لم تنصفنا المقادير فيك يا رفيق حسن، لم تنصفنا المقادير ولم تسعفنا المحاذير. طيف الم أطال ليلنا وأرقنا، فزعنا له فزع الحلال قبيل وقوع الزلزال ثم انثنينا وتشبثنا بجلباب الرجاء وتوكلنا على مغير الأحوال لأن الشدة تعشق الفرج وبعد أن أفرخ روعنا عاد الحظ وأشاح بوجهه عنا فنفذ السهم اللعين وأصاب منا مقتلا، أرداك يا حسن الردى وكان يعلم أي غنم قد غنم فهو في الأصل نقاد على كفه جواهر يختار منها الجياد .
بكى صحبي لما حنى الليل وبكيت أنا . خمسة أشباح كنا وقوفا على متن السفينة السوفييتية العملاقة وهي تمخر عباب الأبيض المتوسط، تقربنا من الهدف المنشود في ربوع روسيا الرابضة على خاصرة قطب الشمال. تدانينا كما تتدانى أصابع اليد تعانقنا وتضافرت خلجات قلوبنا ، أجهشنا في البكاء وامتزجت عبراتنا، فدمعة حسرة على فراق الأهل ومراتع الطفولة والصبا ودمعة وجل من المجهول الآتي في بلاد الثلج والصقيع ودمعة فرح لهذه الفرصة الذهبية التي أتاحها لنا حزبنا الشيوعي وقد وقع اختياره علينا لنكون باكورة البعثات الطلابية إلى المعاهد في بلاد الاشتراكية.
مثل أصابع اليد كنا اذا تباعدنا نظل كفا واذا اجتمعنا نصير قبضة ، لم نفترق على مدى قرابة عقد من السنين . من نفس الثدي رضعنا المعرفة حبونا معا صلبنا قاماتنا معا وخطونا الخطوة الأولى معا ، حفظنا حروف الأبجدية معا تدرجنا على مقاعد الدراسة معا، معا أكلنا وشربنا وضحكنا ولعبنا ومعا كنا نمتعض كلما عزفت الأيام لحنا حزينا ، نضجنا عشقنا وولجنا أسرار الحياة معا. معا وقفنا وأقمنا قسَم أبو قراط ليعلن انا نستحق لقب طبيب .
وكان حسن ، كان الشاطر حسن ومن خبر مكنونات هذه النفس الطيبة بقدر ما خبرناها نحن - فعبق الروابي حسن وشذا الحقول حسن، هيصة الأرغول حسن وابتهال الناي حسن وإذا اشتدت لفحة الرمضاء فالفيء الوارف حسن وانبجاس الماء من الصخر حسن وإذا ابتلاك الدهر بشدة فالخل الوفي حسن. ما أن أدركته المدارك حتى شب على الطوق فنزع عن نفسه غرائز العصبية القبلية ولفظ التعصب الطائفي وحطم قوقعة الانغلاق القومي فلامس الأممية التي آمن بها. واختار من القاب الدنيا كلها لقب انا انسان.
في نفسي رغبة تلح علي ان استذكر سمة الظرف التي تحلَّى بها حسن.
الزمان ضحى يوم من أيام آب عام 1968 المكان تسخلطوبا بلدة في جورجيا وصلناها لتونا من مصيف سوتشي على البحر الأسود في طريق عودتنا إلى البلد الأم ليننجراد على بحر البلطيق سرنا في المدينة والهمم عالية والمزاج يكاد يطال السماء ولكن البطون كانت طاوية والجيوب خاوية فقد ودعنا الروبل الأخير قبل ان نودع ليالي سوتشي لم نكن نتوقع أن يدخل الزاد معدنا قبل أن نصل ليننجراد ، راح حسن يدرج حولنا كما يدرج الحجل وينبش ثنايا محفظته البالية قلنا هات ما عندك أيها الحاوي قال تولوني عليكم وتأتمرون بأمري تسيرون خلفي صفا ولا يجرؤن أحدكم على تجاوزي أو الاقتراب مني أطعمكم على ذوقي وفي المكان الذي أرتئي قلنا ولّيناك علينا يا حسن املأ معدنا وافعل بنا ما شئت ولك منا كل السمع والطاعة. فمشى ومشينا خلفه مثل أفراخ الإوز تتبع أمها . جاب بنا نصف شوارع المدينة وكان حين يمازحه محمد البكري ويتخطاه في السير يقف ويقول له ارجع يحرق اهلك فيرجع محمد مغشى عليه من الضحك . بعد لأي وجد ضالته وادخلنا مطعما . جلسنا حول المائدة وفق النظام الذي امر به، لم يسمح لنا بمخاطبة النادلة ، طلب لنا الطعام والشراب على ذوقه وكان احدنا لا يخاطبه الا اذا رفع يده وطلب حق الكلام . بعد خروجنا من المطعم ذاق منا بعض اللكمات واعلنا العصيان عليه فقال على رسلكم أيها المساكين لا تخرجوا عن طوعي او احرمكم وجبة العشاء في موسكو فعدنا الى رشدنا وصرنا في اصبعه مثل الخاتم، الا انه نكث بالوعد فنمنا على الطوى اذ اتضح انه لم يكن يملك غير الروبلات العشرة التي انفقها علينا في تسخلطوبا.
عسفتنا الأزمان قبل الأوان يا ابا شادن فانت هناك ونحن هنا والهنا لن يجمعنا بعد اليوم انتظرنا انت اذا فربما الهناك سيجد لنا متسعا. وكل ما شدنا الشوق اليك سنطلق اشرعتنا ونبحر الى جزر الذكريات فنضحك كثيرا ونذرف دمعة وننشد معك قصائد بوشكين وماياكوفسكي.
(حيفا)
