صمت الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما ازاء المذبحة المروعة التي تنفذها اسرائيل في قطاع غزة ما زال يثير الحيرة والاستغراب. لا يبرره قوله المتكرر ان لان لاميركا صوتا واحدا يصدر عن الرئيس الحالي جورج بوش، كما لا يفسره سعيه الظاهر الى تفادي اتخاذ موقف من مسألة محرجة لاي مسؤول اميركي. ثمة اشارة ضمنية يرسلها اوباما لا يمكن لاحد ان يخطئها... الا اذا كان يسقط تمنياته على ذلك الصمت الثقيل.
بقرار واع، عمد اوباما كما يبدو الى السكوت حتى الان على المذبحة، التي يتلقى التقارير الرسمية اليومية من كبار مسؤولي ادارة بوش حول تفاصيلها، وان يصرخ عاليا عندما حصل الهجوم الارهابي على مدينة مومباي الهندية قبل شهرين، قبل ان يعرف عنه شيئا... في موقف تردد صداه سريعا في الهند وباكستان وافغانستان، ولم يدع مجالا للشك في جدول اعمال ادارته واولوياتها المقبلة، في مجال السياسة الخارجية تحديدا.
لم يكن ذلك الانتهاك المفاجئ يومها لمبدأ الصوت الاميركي الواحد في العالم، سوى فرصة سنحت للرئيس المنتخب، لكي يخاطب الاميركيين مجددا ويثبت لهم انه سيكون قائدا قويا وحازما في مواجهة الارهاب الذي يمثل قضية داخلية مثلها مثل الاقتصاد الذي شرع اوباما في تولي زمامه منذ اللحظة الاولى لفوزه، وبات يتصرف باعتباره الرئيس الفعلي وصاحب الصوت الوحيد في معالجة ازمته، مع فريق وزاري واستشاري اكتملت صورته تقريبا.
لم يخرق اوباما ذلك المبدأ ازاء المذبحة الاسرائيلية في غزة، لانها اولا مسألة خارجية، وهي من مسؤولية الفريق الذي لم يكمل تشكيله حتى الان لمتابعة قضايا الصراع العربي الاسرائيلي، وهو فريق سيكون اقل اهمية بما لا يقاس من المجموعة التي ستعنى بالوضع في شبه القارة الهندية او ايران والتي ستكون تابعة مباشرة للبيت الابيض، بدلا من وزارة الخارجية.
وهي ليست قضية توزيع مناصب وادوار، او كما يقال عن ان وزيرة الخارجية المقبلة هيلاري كلينتون، التي لا تزال هي الاخرى تلزم الصمت المطبق امام المذبحة، ستتسلى مع فريقها بالصراع العربي الاسرائيلي وتتحمل وحدها عاقبة الفشل الحتمي في تسوية اي من ملفاته، بل هي تعني اساسا ان الادارة المقبلة قررت ان تترك لاسرائيل وحدها ادارة هذا الصراع ووقائعه السياسية والعسكرية، وبهامش اوسع ربما من ذاك الذي كانت تتمتع به طوال سنوات بوش الثماني الماضية... بحيث يكون اوباما وفريقه في البيت الابيض متفرغا لادارة الحرب على الجبهة الشرقية مع الارهاب، وايران.
توهم البعض ان صمت اوباما قد يكون تعبيرا عن استيائه من الوحشية الاسرائيلية في قطاع غزة، او على الاقل عن حرجه امامها. وافترض البعض الاخر ان اسرائيل اختارت موعدا دقيقا لارتكاب المذبحة، ما بين انتهاء ولاية صديقها بوش وابتداء ولاية الرئيس الجديد الذي تريد وضعه امام امر واقع جديد. نسي الجميع ان السكوت علامة الرضا التي تفهمها اسرائيل وتقدرها جيدا، من الرئيس المقبل ووزيرة خارجيته وجميع مستشاريهما الذين لم ينبسوا حتى الان ببنت شفة... والذين لو تكلموا لكانت كلماتهم ربما اسوأ من كلمات المسؤولين الاسرائيليين!
