فزع الغرب الإستعماري الموالي للمشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي على أرض فلسطين ، فزع من إنتصار الثورة الشعبية في مصر ومن قبلها في تونس ، وربما تتواصل إلى باقي أطراف النظام العربي المستبد مسقطة الأنظمة غير الديمقراطية ، فزع لأن العداء متأصل في سلوك ونفسية وضمير الإنسان العربي ، بصرف النظر عن هويته الوطنية ، متأصل عدائه للإستعمار وللإستبداد ، وإسرائيل نموذج صارخ لهذا الإستعمار الإستبدادي .
لقد سعت البلدان العربية للتوصل إلى إتفاقات واقعية مع إسرائيل ، وكانت مبادرة السادات الإنفرادية في زيارته المشؤومة للكنيست الإسرائيلي ، وما أسفر عنها من تداعيات توجت بالتوصل إلى إتفاقية كامب ديفيد التي كبلت مصر ونزعت عنها إستقلالية قرارها الوطني ، وقد إستقبلت الجماهير العربية المصرية خطوة السادات بالترحاب والتقدير لعلها توفر لمصر الخبز والكرامة والرفاهية مع سياسة الإنفتاح ، ولكنها بدلاً من أن توفر للمصريين الوطن المستقل والمواطنة الكريمة والإقتصاد المعافى والديمقراطية المفقودة ، كانت جحيماً وخراباً وإفقاراً صبروا عليه لثلاثين سنة حتى كانت ثورتهم ضد الفقر والإستبداد في 25 يناير بعد النجاح التونسي في 14 يناير، فهل يتم إستكمالها لتشمل العدو القومي ، الذي زاد غطرسة بعد كامب ديفيد ، وزاد توسعه الإستيطاني بعد معاهدة وادي عربة الأردنية الإسرائيلية ، ولم يحترم إتفاق أوسلو الفلسطيني الإسرائيلي وعمل على تهويد وأسرلة وصهينة القدس ، وتعمقت شراسته وعنصريته وإمعانه في قتل الفلسطينيين واللبنانيين ولا يزال ، وتطاول على السوريين بسلسلة ضربات خاطفة لمواقع مختلفة رغم الإلتزام السوري الصارم بوقف إطلاق النار على الجبهة السورية ، وتوسلات الرئيس بشار الأسد لإجراء مفاوضات مع الإسرائيليين سواء عبر الوسيط التركي ، وتمنى أن تتم عبر الوسيط الأميركي .
الغرب مفزوع من نتائج الثورة الشعبية على إسرائيل وخائف عليها ، مع أنها المعتدية وقدراتها العسكرية تفوق قدرات البلدان العربية مجتمعة ، ناهيك عن تفوقها الإقتصادي والإستخباري والتكنولوجي وغيره ، مما يوفر لها فرص المبادرة في توجيه ضرباتها لمن تشاء من العرب ، سواء في بغداد أو تونس أو الجزائر أو السودان ، ولم يسلم بلد عربي من شرها وعدوانيتها بما فيها بلدان الخليج العربي الخانعة والمسالمة كما حصل في الإمارات العربية في الإعتداء على سيادتها بإغتيال القيادي من حركة حماس محمود المبحوح في أحد فنادقها ، مستعملين جوازات سفر أوروبية مزورة .
ثورة الشعب المصري ، ضد الطغيان المحلي ، ورفضهم مصادرة حقوقهم من قبل نظام وطني ، يعني بالضرورة أنهم ضد الطغيان الأجنبي ، وضد مصادرة سيادتهم وكرامتهم من قبل عدوهم القومي ، ولذلك من الإستخلاص البسيط لهذه الثورة أن لا يقبل المصريون إستمرار معاهدة كامب ديفيد المذلة لمصر ومكانتها وكرامتها .
صحيح أن ثمن كامب ديفيد أكثر من ملياري دولار تقبضهم الخزينة المصرية من قبل الولايات المتحدة الأميركية سنوياً ، وهو تحدي مفروض وصارخ على الشعب المصري ، فإذا واصلت القاهرة الإذعان للسياسة الأميركية ، عبر التوسل لمواصلة دعم خزينتها من قبل المال الأميركي ، فستبقى مصر مكبلة بإتفاق كامب ديفيد وصاغرة أمام جموح الإسرائيلين وعدوانيتهم وغطرستهم ، وهذا هو التحدي الثاني المفروض على شباب التحرير بعد التحدي الأول الذي انتصروا عليه والمتمثل بالعناوين الثلاثة : طرد الرئيس مبارك ، وقطع الطريق على ابنه بالتوريث ، وتعديل المواد الدستورية التي تحول دون قيام نظام ديمقراطي تعددي يرضخ لمعايير تداول السلطة ونتائج صناديق الإقتراع .
كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو نتاج موازين قوى صابها الخلل بعد الثورة المصرية ، ويجب إعادة النظر بها بشجاعة وعلناً ، فالفشل المصري الإسرائيلي نراه بائناً صارخاً في عدم ممارسة إسرائيل لسياسة سلامية دافئة تقوم على حسن الجوار:
أولاً مع لبنان وسوريا والأردن ومصر ، حيث لم تستثمر إسرائيل كامب ديفيد ووادي عربة لتقدم نموذجاً يحتذى للسوريين واللبنانيين كي يروا ويشعروا أن السلام وحسن الجوار مع إسرائيل سياسة صائبة مفيدة يجب تكرارها وتوسيعها لتشمل باقي أطراف البلدان المجاورة لفلسطين .
ثانياً فشل السياسة الإسرائيلية العدوانية التوسعية كسب ود الشعب العربي الفلسطيني إعتماداً على أوسلو وخيارات الفلسطينين وقيادتهم كما حصل في تصويت المجلس الوطني في دورته في غزة عام 1996 على قبول شطب مواد من الميثاق تتعارض مع إتفاق أوسلو ، ونتائج إنتخابات المجلس التشريعي الأول في 20/1/1996 بنجاح أغلبية البرلمانيين الفلسطينيين المؤيدين لأوسلو ، إضافة إلى فشل مفاوضات كامب ديفيد بين ياسر عرفات ويهود براك في عهد كلينتون سنة 2000 ، وعدم التوصل إلى إتفاق بين محمود عباس ويهود أولمرت عبر مفاوضات أنابوليس في عهد الرئيس بوش عام 2007 ، وفشل كافة محاولات التفاوض المباشرة وغير المباشرة بين محمود عباس ونتنياهو تحت رعاية الرئيس الأميركي أوباما في سنتي 2009 و 2010 ، ورفض نتنياهو وقف الإستيطان على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، ورفض التفاوض من حيث توقفت المفاوضات بين أولمرت وأبو مازن ، ورفضه تحديد الحدود بين فلسطين وإسرائيل ليتم إقرارها .
ثالثاً رفض إسرائيل في عهود شارون وأولمرت ونتنياهو لمبادرة السلام العربية ، وهو عرض سخي قدمته العربية السعودية وتم تعريب هذا العرض في قمتي الرياض وبيروت 2002 ولا تزال المبادرة مرفوضة إسرائيلياً رغم موافقة المجموعة الإسلامية عليها في مؤتمر وزراء خارجية البلدان الإسلامية في طهران بمشاركة 57 دولة إسلامية .
سياسة إسرائيل عدوانية توسعية إستعمارية ، تحتاج للطمة من جماهير ميدان التحرير باسم العرب جميعاً .
