الوضع مُقلق، يُفقد الأمان الشخصي مُجدّدًا. يتأزّم الوضع السياسيّ، وتبدأ الحسابات الاقتصادية تزيد من عدم الأمان؛ كم يُصرف كل شهر ويوم وأسبوع، وكم قد يجني أحدهم من المال في الخارج، وكم قد يُوفّر من أعصاب في الخارج؛ الكلّ يُفكّر بالهجرة، الفنانون، المثقفون، العمّال، عائلات وأفراد. أسمعها مرارًا: لا أدري ما الذي نفعله هنا، لا مُستقبل لأولادنا ولا مُستقبل لنا، إن كان الوضع بهذا السوء اليوم، فما الذي سيواجه أولادنا غدًا؟ أهزّ رأسي مُتفهّمة وأستدرك: في الخارج نحن غرباء! وفي نفسي أقول: وفي الداخل أيضًا. حين يتحوّل أبسط أفعال الصمود والبقاء والتعبير عن الرأي مُتغيّر في متباينة الجدوى أو عدمها، فمعنى ذلك أن الأمل ليس فقط بما نصبو إليه ويبدو لنا اليوم أبعد، إنما بأن يبقى الوضع على ما نعرفه. حسابات الجدوى هذه تبدأ عندما تتسلل مشاعر القلق إلى نفوس البشر، من مشاهد العنصرية والعنف والقتل من جهة، واللهث المتواصل وراء العيش بكرامة والراحة الإنسانية البسيطة.
كُتب الكثير، وربما ليس كفاية، عن غياب العرب عن الاحتجاجات الاجتماعية في الأعوام القليلة الماضية، وشرع المُحلّلون يُعدّدون أسباب هذا الغياب، من افتقاد الشعور بالانتماء لـ"المجتمع الإسرائيلي" والطابع الإسرائيلي-القومي للاحتجاج، أو إلى كوننا نعتبر أن "الميلكي" ليس قضية أكثر حرقة من القضايا البلدية المحلية وهي تصغر أمام الاعتداءات العنصرية على المواطنين والعمّال العرب وحقوقهم والمزيد المزيد. إنما غياب الجماهير عن النضال الميداني، هو تعبير عن حالة فقدان المنطق والجدوى. فإن كان المُواطن العادي يُغلّب الوطني السياسيّ على الاجتماعي-الاقتصادي، بالرغم من أنّ حلّ القضيتين واحد – إنّما لنفرض جدلاً، فأين هو في النضالات السياسية؟ وإن كان العكس فأينه في النضالات الاجتماعية؟ ما الوسائل التي تَعمل عند التزام الجميع الصمت؟ كيف نُحرّك هذه الجماهير التي تُعاني وتفكّر غائبة عن النضال الميدانيّ؟ أي أساليب العصيان المدني قد تأتي بنتيجة؟ مقاطعة من؟ أين تقع حدود تلك المقاطعة؟
كثيرة هي الأسئلة التي تراودني، ولا أستطيع الإجابة عنها لنفسي دائمًا. أي عصيان ممكن غير المقاطعة؟ مقاطعة المواطنين العرب للمُشغّلين العنصريّين وللمصالح الاقتصادية، على اختلاف القطاعات، تواجه تحديات المُمارسة والتطبيق وبالأساس الإيمان بجدواها، وهنا تقع المشكلة – الإيمان بجدوى النضال، وليس المقاطعة على سبيل الحصر– إنما، وفي الحقيقة: المُقاطعة الاقتصادية الناجحة (!) تُمارس ضدنا نحن هنا في كل مرّة "هم" يشنّون عدوانًا أو يتوتّر المناخ السياسيّ! كيف نُوجّه مواردنا البشرية والفكرية والنضالية؟ إن في يدنا قوّة إن وُجدت الطريقة إلى تفعيلها بالاتجاه والنقاط الصحيحة قد تأتي بالنتيجة المرجوة. أقولها بكل صراحة، أتكلّم عن عصيان مدنيّ سلميّ مسؤول، وليس عن كفاح مُسلّح بالرغم من رومانسية الفكرة وترويج البعض لها – وهو جالس في مقهى لم يلتزم بالإضراب في يوم الإضراب!
نحن اليوم بحاجة لحلول جذرية، ثوريّة لمن يهمّه التدقيق؛ جذرية في توظيفها لأزمة الشعور بانعدام الأمان. شكل من أشكال النضال، قد نسميه عصيانا مدنيّا، وقد لا نفعل. إنما هناك حاجة إلى تجديد الجوّ العام المناهض والمُخطّط للمواجهة تحديات اليوم.
دور القيادة اليوم، هو أن تقود فعليًا، وأن تضع الخِطط وتوّجه مشاعر الغضب والإحباط والأزمة، وبالأساس تلك الصامتة، إلى إنتاجٍ وطنيّ على جميع المستويات، بالأساس بسُبُل التصدّي اليومي البسيط والمُجدي فعلاً. فما دور الحركات السياسية، والحزب تحديدًا، في توجيه كل هذه الجموع الصامتة الصامدة وتجيير غضبها في سبيل التغيير؟ - ستدوم أفكار الهجرة والهروب ونفض الأيدي عن الإيمان بقدرتنا على التغيير ما دامت القيادة بشكل عام، لا تسحب خيط الضوء من آخر النفق وتُبدع أساليب مُقاومة تحقّق الهدف بأقل خسائر ممكنة – وتتشبّث به وبنوره لإنارة الطريق أمام الجموع؛ وما دامت الجموع يُفكّر كل فرد فيها بأن التغيير سيأتي مع خدمة الإرساليات إلى باب البيت..
