الأنظمة العربية في تونس ومصر وليبيا والبحرين، والحبل على الجرّار بهمّة الشعوب، فوجئت بالثورات الشعبية السلمية، فوقعت في حيص بيص: ماذا تفعل لحماية أنظمة القمع والإفقار ومصادرة الحرّيات والفساد ؟ لم يتركوا تهمة إلا ألصقوها بالحشود الهادرة في الشوارع والميادين. لكنّ أكاذيبهم كلّها لم تقطع في المتظاهرين، فما العمل؟ أمام هذه الأنظمة الفاسدة لم يبقَ سوى خيارين: زيادة القمع عنفا واتّساعا، أو "الإصلاح" ترضية للجماهير.
"الأخ العقيد"، مثلا، لا يعرف غير القتال شارعا شارعا، زنقة زنقة. لذا، زجّ ببلاده في حرب أهليّة كانت ذريعة لتدخّل أمريكا وشمال الأطلسي "من بعيد"، بالطائرات والصواريخ. القتال، كما تفيدنا وسائل الاتّصال، ما زال مستمرّا، والتدخّل الأجنبي سيستمرّ، في أغلب الظنّ، وقد ينتقل من تدخّل جوّي إلى برّي، فتعود قصّة العراق في ليبيا من جديد. "القوميّون" و"الإيديولوجيّون" يعتبرون ما يجري، طبعا، "تدخّلا استعماريّا" غايته النفط الليبي. لم نحسن الظنّ يوما بنوايا الدول الغربية، لكن لماذا نلوم هذه الدول، ولا نلوم مجنون ليبيا وقد شرع رأسا في حصد المتظاهرين العزل بطائراته ومدافعه وقنابله المحرّمة؛ ما اضطرّ الثوّار الليبيين أنفسهم إلى الاستغاثة بالأمم المتّحدة وحلف الأطلسي وطلب التدخّل فورا ؟ تماما كما احتلّ مجنون آخر قبله الكويت، فكان الاحتلال ذريعة لأميركا وحلفائها العرب في ضرب العراق يومها. القمع لن يجدي، وعنف الأنظمة لن يزيد الشعوب إلا عنفوانا: كلّما زاد قمع الأنظمة زاد عدد المتظاهرين، وارتفع سقف شعاراتهم، إلى أن يرفعوا أخيرا الشعار/ الهدف المطلوب: إسقاط النظام القمعي، مرّة وإلى الأبد.
الخيار الثاني أمام هذه الأنظمة الشمولية (التوتاليتاريّة) هو تقديم التنازلات، "الإصلاحات" بلغتهم، علّ ذلك يحدّ من غيظ المتظاهرين وأعدادهم ومطالبهم. مبارك، مثلا، أخذ بهذا الخيار مضطرّا، لأنّ القوّات المسلّحة المصريّة لا تقدم على ضرب المتظاهرين. أعلن "سيادة الرئيس" أنّه لن يرشّح نفسه بعد في الانتخابات، ولن يورّث ابنه جمال، وعيّن اللواء عمر سليمان نائبا له. بل أقال الحكومة أيضا، وعيّن حكومة جديدة، لكن طبعا من رموز النظام الفاسدين. فهل أقنعت هذه "الإصلاحات" جماهير ميدان التحرير بالعودة إلى بيوتهم و"الحفاظ على النظام"، بالمعنيين؟ لم ينخدع شباب الميدان، ومعهم الشعب المصري كلّه، بهذه التغييرات الشكليّة، بل واصلوا نضالهم لإسقاط النظام نفسه، من جمعة مليونيّة إلى أخرى، إلى أن سقط النظام أخيرا في "الجمعة العظيمة" من تاريخ مصر الحديث، في 11 فبراير2011، وكان النصر مبينا!
أمّا نظام البعث في سورية، شأنه شأن النظام في اليمن، فقد جرّب "النهجين قصدا وجائرا". سارع "رجال الأمن" أوّل الأمر إلى إرهاب المتظاهرين، وكانوا في البداية مئات في درعا، بالاعتقالات التعسّفيّة في ظلمة الليل، وبالرصاص الحيّ قبل المطّاطي، ظنّا منهم أنّ التعتيم الإخباري كفيل بإخفاء جرائمهم عن السوريين وعن العالم. إلا أنّ جرائمهم هذه ضاعفت المظاهرات في درعا، وانتقلت بها إلى المدن السوريّة الأخرى، والمئات غدوا آلافا وعشرات ألوف، والشهداء سقطوا تلو الشهداء، وكلّ جنازة تحوّلت إلى مظاهرة كبرى، وإذ كسرت الجماهير أخيرا حاجز الخوف رفعت الشعار/الهدف الأعلى والأهمّ، الذي خطّه أطفال درعا سرّا على الجدران، في الليلة الأولى من انتفاضة هذه المدينة الباسلة: الشعب يريد إسقاط النظام!
بعد المذابح المتواصلة، فطن أرباب النظام بخيار "الإصلاح" ، كأنّما يمكن حمل الإصلاح إلى الجماهير على أنهار من الدماء. بعد أسابيع من التظاهر والتقنيل، أصدر بشّار الأسد مراسيمه الإصلاحيّة. فجأة تبيّن أنّ "قانون الطوارئ" الرازح على صدور السوريين وعلى حرّياتهم منذ 1963، لم يعدْ ضروريا، فألغي في هذه الأيام المضطربة بالذات. محكمة أمن الدولة ألغيت أيضا، محافظون أقيلوا واحدا بعد آخر، حكومة جديدة شُكّلت، بل إنّ "سيادة الرئيس" أفتى بشرعيّة التظاهر أيضا. لكن كيف تصدّق الجماهير هذه "الإصلاحات"، وهي ما تزال حبرا على ورق، والنظام يلغيها متى شاء وكيفما شاء؟ ولماذا نزلت هذه الإصلاحات اليوم بالذات، ألم يسوّقوا عهد الرئيس الشابّ باعتباره عهد إصلاح وحرّية منذ نصّبوه دمية يحكمون سورية باسمه؟
لا القمع يجدي ولا "الإصلاحات". الجماهير في الشارع لم تعد تخاف القمع بعد هذا القمع كلّه، ولا تثق أيضا بوعود الإصلاح وإطلاق الحريّات. وهل يمكن أصلا لنظام فاسد مجرم أن يتّخذ الإصلاح طريقا؟ ألا يؤدّي الإصلاح، إذا تحقّق فعلا، إلى إسقاط النظام نفسه في نهاية المطاف؟ وهل من إصلاح أعظم وأجدى من التخلّص من هذا النظام الاستبدادي، وإقامة دولة مدنيّة ديمقراطيّة بعد هذه السنين الطويلة من الظلم والإرهاب والفساد؟ قبل أكثر من مئة وخمسين سنة، أفادنا أحمد فارس الشدياق، جبّار القرن التاسع عشر، أنّ الملك، والحاكم العربي أعتى وأقسى من الملوك، لا يقدر على الإصلاح:" وبعد فإنّ الملك إذا أخذ في تغيير العادات وتبديل السنن فربّما أفضى ذلك إلى تغييره، فيكون مثله كالديك الذي يبحث في الأرض عن حبّة قمح فيثير التراب على رأسه". لا القمع يجدي ولا "اًلإصلاحات"، مرّة أخرى، ولا خلاص للشعب السوري الباسل إلا بإسقاط النظام!
