زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون

single

كم جميل أن تتلقى كتابا على غير ميعاد... والكتاب- ذكريات شيوعي مخضرم لنديم موسى البوسناني (نسبة لأبي سنان) بسيط بساطة الشيوعيين القدماء في بلادنا المفطورين (المبنيين على الفطرة) و...الذين كتب عنهم المناضل الشهيد الدون الهادئ صلاح خلف في كتابه "فلسطيني بلا هوية" متحسّرا: "لو كنا استمعنا إلى قلة من الشباب أعضاء عصبة التحرر الوطني لكنا جنبنا شعبنا الدمار والتشريد وبحرا من الدماء". لكن لا ملامة فالرجعية العربية والاستعمار والصهيونية كانت وما زالت أقوى منهم ومن حركة التحرر الآن وسابقاً ومن ثم لاحقاً للمستقبل القريب. وعلى ما يبدو فإنّ الظروف لم تنضج بعد.. إلاّ أننا ما زلنا نتمسك بحق المقاومة للاحتلال وبحق العودة والتعويض وبحق تقرير المصير والسيادة الوطنية وبحق الدفاع عن هذا الشعب وعن حقه في الحياة.
لا أخفيكم سراً أنني اشعر أنني غرائبي حين اكتب مثل هذه الألفاظ ولكن برغم الغرابة هذه في هذا الزمن الغريب اشعر أيضا إنها لن تمّحي من قاموس الثورة.
في هذا الكتاب (المجهود الشخصي الذي ما رعاه احد، ولا أبالغ حين أقول لم ينتبه إليه احد) إضافة لبنة في صرح هذا الشعب الذي صمّم على البقاء. انه كتابٌ بعليٌ صادقٌ ذكيٌ ذكاء فطريا زرع كلماته كاتب فلاح عامل يعتمد على ماء السماء لا ماء الري ولا أنابيب الدفيئات. هو يشهد على ذلك العصر منذ أواخر الأربعينيات ويحنّ إلى الماضي حنينا يبعث في القارئ شعور الاقتداء. لكن هيهات للماضي أن يعود إلا على شكل تفاعل جدلي مع الحاضر نحو المستقبل. وما يهم هو وهن الروح لا وهن الجسد... وتعب الروح لا تعب الجسد... وبعد... فليس المهم أن يموت الجسد لكنه (المهم والأهم) أن تموت الروح. من هنا التاريخ الحقيقي هو الذي يكتبه البسطاء... الناس العاديين لا التاريخ الذي يكتبه الحكام.. يكتبه الذي لم يخسروا روح المقاومة. نحن الآن نتاج ذلك البعلي الذي صمد في تلك الأيام العابسة ولنعلم أن الأجيال القادمة ستكون من نتاجنا فإذا زرعنا فسنحصد. نحن نتاج ذلك الرعيل الذي آمن بالتضحية.. أيام كانت هذه الصحيفة توزع تبرعا بالخفية مخبأة تحت الكبابيت والفروات تحت المطر وتحت الثلج سنة 1950 سنة الثلجة. أيام كان يفحص ويدقق فيها كل حرف. أيام كانت مُعَلما ومَعلما فتعطينا دروساً في اللغة العربية وفي أبجدية حروف اليسار والماركسية.
يُحكى أن احد موزعي الصحف التجارية كان يتأتئ و كان يخيّر الناس مهددا إياهم بذكاء منقطع النظير: "تشتري الجريدة ولا أقرأها لك"... وهكذا كانت تجارته راجحة. أما نديم فيحكي لنا عن جمال موسى قصة أبلغ، حين كان يوزع الاتحاد مع بعض رفاق الحزب ومن بينهم الكاتب ذاته. قال: "عرض الرفيق جمال الجريدة على احد الجالسين في مقهى. فقال بأنه لا يحسن القراءة، فأجابه جمال: انه على استعداد يقرأ له الجريدة، فوافق، وهكذا تركنا جمال يقرأ الجريدة للرجل وتابعنا التوزيع بدونه (ص 30 ط2-2008)".
أما جمال موسى لمن لا يعرفه فهو صاحب خطاب التوتة في أيام الحكم العسكري. يروي عنه انه اعد لاجتماع شعبي و لم يأت إلا نفر قليل فأدار وجهه نحو شجرة التوت الذي كانت تظلل المكان ووجهه خطابه إليها. لم تسمع أوراق التوت الخطاب وحسب إنما الناس من داخل البيوت، ظلّ يخطب ويخطب ويخطب حتى انكسر حاجز الخوف وخرجت الناس إلى الشوارع.
صباح الخير نديم موسى- أطال الله في عمرك، ورحمة الله عليك يا جمال موسى وعاش كل الذين زرعوا فأكلنا... أما نحن فلنزرع لكي تأكل الأجيال القادمة ولكي يكون للحياة معنى. جيل يهز الراية ويسلمها للجيل القادم حتى في زمن القحط.                                          

قد يهمّكم أيضا..
featured

ثورة أكتوبر 1917 والتجربة السوفييتية في مسار التاريخ البشري

featured

باراك، حصان طروادة اقتحم "العمل" لتنفيذ أجندة عسكرية

featured

تعرية الحاصل والعمل من خلال خطة العدو

featured

إجراءات الاسترجاع الضريبي للأجيرين

featured

"حماة الديار" لخالد تركي إبداع في حفظ تاريخنا الغني

featured

المأزق المشترك

featured

هل يساهم مؤتمر "فتح" في ترتيب البيت الفلسطيني لمواجهة التحديات المصيرية؟!!

featured

أمريكا واسرائيل رأس الأفعى