ثورة أكتوبر 1917 والتجربة السوفييتية في مسار التاريخ البشري

single

كان وجود الإتحاد السوفييتي وتطور قدراته والقوة التي اكتسبها بعد انتصاره الحاسم على الجيوش الألمانية النازية في الحرب العالمية الثانية، كلها عوامل مهمة في إحداث توازن شامل مع القوة الإمبريالية التي فرضت نفسها كقوة كونية رئيسية أخرى


المُثل والشعارات الكبيرة التي رفعتها ثورة أكتوبر 1917 تبقى قائمة على جدول أعمال البشرية التي من حقها أن تواصل النضال من أجل احترام حق الإنسان في الحياة الكريمة والحرة والتمتع بخيرات الطبيعة بدون استغلال أو تمييز واضطهاد

 

بعد مرور زهاء العقدين على انهيار تجربة التحول الاشتراكي السوفييتية، بات بالإمكان النظر إليها بشيء من البعد التاريخي، ومحاولة البدء في رسم ملامح مكانتها ودورها وتأثيرها الأطول مدى في مسار التاريخ البشري المعاصر. هذا، دون أن نقلل، بالطبع، من ضرورة وأهمية مواصلة قراءة وتحليل التجربة نفسها بتفاصيلها وتناقضاتها، لاستخلاص الدروس من العوامل التي وقفت وراء فشلها. خاصة وانها كانت المحاولة الأولى والأكبر في التاريخ البشري لتجاوز النظام الرأسمالي، وكان التعويل عليها كبيرًا بمقدار الخيبة التي رافقت انهيارها.
ومن الخطأ، في هذا السياق، قراءة أحداث تاريخية سابقة بمعايير وقيم ومستوى إدراك ومعرفة الزمن الراهن. فنحن الآن في وضع عالمي مختلف تمامًا عما كان قائمًا في عالم ما قبل ثورة أكتوبر 1917. فقد مرّ قرن من الزمن منذ تلك الحقبة، شهد تحولات هائلة على كافة المستويات، المعرفية والعلمية والتكنولوجية والسياسية والاقتصادية، ناهيك عن التغير في التعاطي البشري مع قضايا لم تكن مطروحة في تلك الحقبة بنفس القدر، أو حتى بالمرة، مثل قضايا حقوق الإنسان والقيم المتعارف عليها على هذا الصعيد، ومسائل النقل السريع للمعلومات والقدرة، بالتالي، على الوصول الى الرأي العام في أنحاء العالم بسرعة أكبر وبوسائل أسهل، وبروز أهمية العناية بالبيئة المحيطة بالبشر وبمجمل وضع ومصير الكوكب الأرضي، بمعزل عن الحدود التي لا زالت قائمة بين الدول والكيانات. هذا دون أن يتولد لدينا وهم بأن البشرية هي حاليًا في حال مثالي، أو انها تجاوزت كل المصاعب والعوائق في مسيرتها المستمرة لتحقيق طموحاتها وأهدافها.
فالنظام الرأسمالي ما زال هو السائد على الصعيد العالمي، لكنه مرّ بمحطات من التطور والتأزم والتمدد والتكيف. في حين من المفترض أن التجربة السوفييتية وتجارب أخرى شبيهة، فشلت أو لا زالت مستمرة أو بدأت حديثًا، قد أضافت الى خبرة ومعرفة أولئك الذين كانوا يتطلعون لتجاوز هذا النظام وإقامة نظام أكثر عدلاً وإنصافًا.
ولسنا هنا بصدد العودة الى الإشكالات الداخلية والتحديات الخارجية التي أدت بمجملها الى انهيار هذه التجربة، والعوامل الداخلية كانت بالتأكيد هي الحاسمة، بقدر النظر الى تلك الثورة كحدث بارز في مسار القرن العشرين وفي التاريخ البشري المعاصر، وبالتأكيد كأحد أهم الأحداث في الحقبة التاريخية المعاصرة. حتى وإن كانت هذه التجربة قد انهارت في أواخر القرن ذاته، وتفكك الإتحاد السوفييتي، وعادت الجمهوريات التي كان يتشكل منها الى أنماط إنتاج رأسمالية، مافيوية ومتوحشة وفاسدة في العديد من الحالات. لكن تجربة استثنائية كهذه في التاريخ البشري لا تمضي هكذا بدون أن تترك بصمات وتأثيرات أطول مدى وفي العمق.
وربما من المبكر تلمُّس كافة هذه البصمات والتأثيرات بكامل أبعادها بعد هذا الزمن القصير على انهيارها. وبالمنظار التاريخي، ستحتاج البشرية الى عقود أخرى لتشهد التجليات المحتملة لهذه التأثيرات، تمامًا كما حصل مع ثورات كبرى سابقة في التاريخ البشري.

* رهان لم يتحقق
لنبدأ، أولاً، بالحديث عن الثورة نفسها والقرار الذي اتخذته قيادتها، وفي المقدمة فلاديمير إيليتش أوليانوف (لينين)، باتخاذ هذه الخطوة بإحداث هذا التحول الهائل في مسار بلد ضخم يتمدد على قارتين من قارات العالم القديم، البلد الأوسع مساحة بين بلدان العالم، وذلك في السنة الثالثة من الحرب العالمية الكبرى، التي لم تكن بعد تُسمى بالحرب الأولى، طبعًا. فقد جرت، وتجري، نقاشات واسعة حول صوابية قرار قادة الثورة بشأن خوض هذه الثورة الروسية الثانية، ثورة أكتوبر (حسب الرزنامة الشمسية اليوليانية، نسبة الى يوليوس قيصر، والتي كانت سائدة قبل الثورة في روسيا، أما في الرزنامة الشمسية المعدلة والمنتشرة دوليًا وتم تبنيها لاحقًا بعد الثورة في الإتحاد السوفييتي، فقد انطلقت الثورة الروسية يوم 7/11/1917، وهو اليوم الذي يجري فيه الاحتفال بالمناسبة). فقد جاءت هذه الثورة الثانية في العام ذاته بعد ثورة شباط/فبراير الروسية الأولى في مطلع ذلك العام 1917، تلك التي أطاحت بالنظام القيصري، ولكنها لم تحسم موقفها بشأن الاستمرار في المشاركة في الحرب، في ظل التحالف الذي كان قائمًا، آنذاك، خاصة مع بريطانيا وفرنسا، في مواجهة تحالف آخر ضم في ما ضم ألمانيا وإمبراطورية النمسا-هنغاريا والسلطنة العثمانية.
ومن المعروف أن قادة ثورة أكتوبر كانوا يراهنون على أن هذه الحرب العالمية الدموية المدمرة، ثم الثورة في روسيا، ستفتحان المجال أمام ثورات أخرى في بلدان أكثر تطورًا وتقدمًا في أوروبا الغربية والوسطى، تلك التي نالت منها الحرب أيضًا وتكبدت فيها الخسائر الهائلة على الصعيدين البشري والمادي. وفيما كانت قيادات ثورة شباط/فبراير 1917 الوسطية، الأقل طموحًا وجذريةً، تسعى الى إعادة تنظيم المشاركة الروسية في الحرب بشكل أفضل، كان القادة اليساريون الجذريون، وفي المقدمة لينين، قد اختاروا منذ وقت مبكر طريق إخراج البلد من الحرب، باعتبار هذه الحرب هي حرب "الضواري الإمبريالية" التي تحاول الشرائح المسيطرة في كل البلدان المشاركة إعادة اقتسام العالم لصالح كل طرف فيها، بغض النظر عن الكلفة البشرية لتحقيق هذه الغاية، وهي كلفة تتكبدها بالأساس قطاعات الشعب البسيط الواسعة في هذه البلدان.
وميزة قادة ثورة أكتوبر، وخاصة لينين، الى جانب عدد محدود من القادة اليساريين الجذريين الآخرين في بلدان أوروبية أخرى، انهم كانوا يدركون طبيعة هذه الحرب الدامية والمدمرة منذ بداياتها، ولذلك عارضوها مبكرًا على هذا الأساس معارضة حازمة، ومنذ المؤشرات الأولى التي سبقت إندلاعها. في حين انحازت قوى أوروبية أخرى كانت محسوبة على اليسار الى خيار دعم حكام كل بلد من البلدان المعنية في سياق تضامن قومي شوفيني استخدمته الشرائح الحاكمة لتضليل القطاعات الشعبية حول طبيعة الحرب وأهدافها الحقيقية.
وحاولت قوى يسارية جذرية في بلدان أوروبية أخرى كانت منخرطة في الحرب تنظيم حركات ثورية، في أواخر الحرب وبعدها مباشرة، للسيطرة على الوضع في هذه البلدان وإخراج كل منها من أتون الحرب وكسر هيمنة أرباب المال ومحتكري الثروة ومهندسي الحروب، والعمل على تجاوز النظام الرأسمالي والولوج في عملية التحول الاشتراكي. لكن هذه المحاولات لم تلاقِ النجاح الذي لاقته العملية الثورية في روسيا. فقد حدثت محاولات كهذه في ألمانيا، وفي المجر، وفي إيطاليا، وبلدان أخرى، لكنها ووجهت بمصاعب كبيرة وانتهت الى الانتكاس أو المحاصرة والإفشال، وتعرض قادتها، في ألمانيا مثلاً، الى تصفيات جسدية بشعة.
وبعد أن انتهت هذه المحاولات الى الفشل في مطلع عشرينيات القرن الماضي، في الوقت الذي كانت فيه الثورة الروسية تواجه هجمات متعددة الأطراف والجبهات لخنقها والحؤول دون استمرارها، وهي هجمات تم التصدي لها بنجاح من قبل جيش الثورة الجديد، كان قادة الثورة المنتصرة أمام خيار وحيد تبقى لهم، هو خيار المضي في بناء تجربتهم الخاصة في أراضي الإمبراطورية الروسية التي تمكنوا من الاحتفاظ بها وبسط سلطتهم عليها، والتي أصبحت في العام 1922 تُعرف باسم الإتحاد السوفييتي. ومعروف أن كلمة "سوفييت" باللغة الروسية تعني "مجلس"، وأن أنوية الحكم الجديد الأولى تشكلت من مجالس العمال والفلاحين والجنود، لكنها تحولت الى شيء مختلف بعد ذلك. (ومن الجدير التنويه الى أن تسمية الإتحاد السوفييتي باللغة الفارسية، ولغة الداري القريبة منها والمعتمدة كإحدى اللغتين الرسميتين في أفغانستان، هي "اتحاد شوروي"، وهو تعبير يفسّر نفسه بنفسه).
وهنا، لا بد من الإقرار بأن الأمور كانت ستتطور بشكل مختلف لو نجحت الثورات اليسارية في بلدان أوروبية متقدمة رأسماليًا، ولها مجتمعات مدنية حقيقية متقدمة، خلافًا لروسيا القيصرية، التي كانت بلدًا متخلفًا الى حد كبير على الصعيدين، صعيد التطور الرأسمالي وصعيد حضور المجتمع المدني، الذي كان جنينيًا ومحدود القدرة على الفعل في ظل الطابع القمعي والاستبدادي المتخلف للنظام القيصري.
وقد دفعت الهجمات الخارجية والداخلية التي تعرضت لها الثورة الروسية، في سنواتها الأولى، السلطة الوليدة الى تشديد قبضتها القوية، فتحول النظام الجديد الى نظام حديدي يجري فيه احتكار القرار من قبل قلة صغيرة من القادة، وهي قلة غدت مع مرور الزمن تقرر تقريبًا كل شيء، بمعزل عن الجماهير الواسعة التي كان من المفترض أن هذا النظام أقيم بالأساس لتلبية مصالحها وتحريرها من أشكال الحرمان والظلم والاستلاب التي كانت تعاني منها في ظل النظام السابق. وتحول نظام الحزب الواحد، الذي كان من المفترض أنه وضع مؤقت وانتقالي فرضته تحديات السنوات الأولى للثورة، الى ما يشبه المبدأ والوضع الطبيعي، وهو ما لم يكن مخططًا له في البداية، وما لم يكن ضمن نوايا قادة الثورة الأوائل.
ونظام الحزب الواحد هذا، المفترض أنه كان نظامًا مؤقتًا وظرفيًا، نسخته وشوهته بعض أنظمة العالم الثالث، بما فيها بعض الأنظمة العربية، غالبًا بدون الفوائد الاقتصادية والاجتماعية التي تم توفيرها للمواطنين في التجربة السوفييتية.

* دعم حركات التحرر
ولكن، بالرغم من هذا التطور في سمة النظام، ومن تطورات سلبية داخلية أخرى تناولناها في مجال آخر، ينبغي عدم التقليل من الانعكاسات الإيجابية الواسعة لحضور الإتحاد السوفييتي على المستوى العالمي، وخاصة بالنسبة للشعوب التي كانت ما تزال ترزح تحت سيطرة المستعمرين وتواجه عدوانية القوى الإمبريالية المتعددة. ومن المعروف أن الحركات الثورية في آسيا، مثلاً، والتي انطلقت بقوة بشكل خاص منذ مطلع عشرينيات القرن الماضي، تأثرت بـ"النداءات لشعوب الشرق" وبالشعارات التي رفعها الإتحاد السوفييتي والداعية لتحرر هذه الشعوب من سيطرة واستغلال المستعمرين والقوى الإمبريالية المختلفة.
هذا كان حال الصين، وكذلك فييتنام، وهما البلدان المهمان اللذان تمكنا من تحقيق انتصارات حاسمة في مسار التاريخ الآسيوي والبشري من خلال هزيمة المستعمرين والأطماع الإمبريالية وأمراء الحرب والإقطاع المحليين، التابعين والمرتبطين بهم.
والأمر نفسه ينطبق على حركات تحرر أخرى في آسيا وفي أميركا اللاتينية ثم في إفريقيا، وإن كانت القارة الأميركية اللاتينية كانت مسرحًا مستمرًا لحركات ثورية قبل الثورة السوفييتية بعقود طويلة، كان أحد أبرزها، قبل سنوات قليلة من ثورة أكتوبر  في روسيا، ثورة المكسيك الفلاحية الشهيرة التي اندلعت في العام 1910. لكن بعد نجاح الثورة السوفييتية، اتخذ عدد من الحركات الثورية اللاحقة في القارة اللاتينية، وحتى بعض أنظمة الحكم، طابعًا يساريًا أكثر وضوحًا، وهي ثورات وأنظمة ووجهت بعمليات تخريب وتصفية من قبل الولايات المتحدة، التي نصّبت نفسها راعية ووصية على مجمل القارة الأميركية، شمالها ووسطها وجنوبها، منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر مع "مبدأ مونرو" الشهير المعلن في العام 1823. وكان علينا بعد ذلك، وخاصة بعد الإطاحة المدبرة من قبل المخابرات المركزية للولايات المتحدة بنظام هاكوبو أربينس التقدمي في غواتيمالا في العام 1954، أن ننتظر ثورة كوبا في مطلع العام 1959، التي تطورت سريعًا بعد انتصارها باتجاهات أكثر جذرية، وتمكنت خلال السنوات والعقود التالية من حماية وجودها وضمان استمراريتها، حتى بعد انهيار الإتحاد السوفييتي وتجارب أوروبا الشرقية والجنوبية الأخرى، الى أن بدأت الموجة اليسارية الجديدة في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الجديد تحقق نجاحات متتالية في القارة اللاتينية.
وكان وجود الإتحاد السوفييتي، وتطور قدراته الصناعية والتسليحية والعلمية والتقنية، والقوة التي اكتسبها على الصعيد العالمي بعد انتصاره الحاسم على الجيوش الألمانية النازية في الحرب العالمية الثانية، كلها عوامل مهمة في إحداث توازن شامل مع القوة الإمبريالية التي فرضت نفسها كقوة كونية رئيسية أخرى، بعد هذه الحرب أيضًا، الولايات المتحدة الأميركية، التي أخذت ترث شيئًا فشيئًا دور المستعمرين الأوروبيين القدامى في مختلف قارات العالم. وكان الدعم السوفييتي ودعم بلدان التجارب الاشتراكية الأخرى التي انتصرت بعده، وخاصة الصين الشعبية، من العناصر المهمة التي أسندت كفاح شعب فييتنام، على سبيل المثال لا الحصر، مما مكّنه من تحقيق انتصاره الناجز على الاستعمار الفرنسي في العام 1954، ثم انتصاره الباهر على الإجتياح العسكري الأميركي في العام 1975.
وكذلك الأمر بالنسبة لحركات التحرر في إفريقيا، التي وجدت دعمًا فعالاً من قبل الإتحاد السوفييتي والصين الشعبية وغيرهما، وحتى من بلد صغير مثل كوبا لعب دورًا هامًا في تدعيم استقلال أنغولا، المستعمرة البرتغالية السابقة، في أواخر السبعينيات وخلال الثمانينيات الماضية، ولعب دورًا مؤثرًا في التسريع باستقلال ناميبيا، كما ساهم بشكل ملموس في هزيمة النظام العنصري في جنوب إفريقيا، عبر حضور مباشر للقوات الكوبية في أنغولا التي كان النظام العنصري قد غزاها. هذا، الى جانب حضور الخبراء والمدربين الكوبيين في عدد من الدول الإفريقية الأخرى، بمن فيهم القائد الأسطوري للثورة الكوبية إرنستو "تشي" غيفارا، الذي شارك في محاولة دعم وتنظيم ورثة باتريس لومومبا، القائد الوطني المغدور للكونغو المستقلة حديثًا، آنذاك، من الإستعمار البلجيكي، في الستينيات الماضية.
وشكّل وجود الإتحاد السوفييتي كذلك، ومن ثم الصين الشعبية وبلدان التجارب الاشتراكية الأخرى، عنصرًا هامًا في اضطرار الشرائح الحاكمة في الدول الرأسمالية المتطورة، خاصة في أوروبا الغربية المجاورة لهذه التجارب، لتقديم تنازلات للشغيلة وسائر القطاعات الشعبية، خشية من انجذاب هذه القطاعات للقوى اليسارية الجذرية في بلدانها، خاصة مع تنامي حضور هذه القوى، وتزايد قوة النقابات العمالية والقطاعية الأخرى في هذه البلدان.
ولكن فترة الثمانينيات الماضية شهدت، من جهة، تورط الإتحاد السوفييتي في أفغانستان وفي سباق تسلح مكلف فُرض عليه من قبل الولايات المتحدة، خاصة خلال ولاية الرئيس الموغل في يمينيته رونالد ريغن، الى جانب تراكم مشاكله الاقتصادية الداخلية الصعبة، ومن جهة أخرى، دخول النظام الرأسمالي في مرحلة تأزم اقتصادي بدأ في السبعينيات وقاد الى تراجع معظم البلدان الرأسمالية عن تطبيقات المدرسة "الكينزية"، والولوج في مرحلة تطبيقات مدرسة "الليبرالية الجديدة"، التي تميزت بالقضم المتواصل للمكتسبات الاجتماعية للشغيلة ومجمل القطاعات الشعبية لصالح إعادة رفع معدل الربح للشرائح المسيطرة اقتصاديا ومراكمة أرباح وهيمنة رأس المال المالي وتنامي نفوذ الشركات الكبرى العابرة للحدود. وانتهت الثمانينيات بالانهيارات المعروفة في تجارب أوروبا الشرقية للتحول الاشتراكي، ومن ثمّ، شهدت التسعينيات انهيار التجربة السوفييتية نفسها، ومن بعدها تفكك يوغوسلافيا وتجربتها الخاصة ومجمل التجارب الأخرى في القارة الأوروبية، بما في ذلك تلك التي كانت مستقلة عن التجربة السوفييتية، مثل تجربة ألبانيا، ويوغوسلافيا نفسها.
وما من شك أن جملة هذه الأحداث الكبيرة شكّلت ضربة معنوية كبيرة لأنصار الخيار الاشتراكي ولمجمل القوى اليسارية في العالم، وبالتالي انتصارًا للمعسكر الآخر، معسكر الرأسمالية والإمبريالية. ولكنه انتصار بات واضحًا الآن أنه مؤقت وقصير الأمد، كما تبيّن مع اندلاع الأزمة الاقتصادية الكبرى الجديدة للنظام الرأسمالي منذ العامين 2007-2008، ومع تراجع القوة النسبية للولايات المتحدة وانتهاء مرحلة تفردها بالقوة الكونية، إزاء صعود قوى عالمية جديدة، في مقدمتها الصين الشعبية، وبدايات عودة الروح للخيار اليساري الجذري بأشكال وصيغ جديدة، خاصة في القارة الأميركية اللاتينية.

* الانهيار محطة نحو التجاوز
وبالمنظار التاريخي، يمكن اليوم رؤية انهيار التجربة السوفييتية كمحطة، مؤلمة بلا شك، في مسيرة طويلة للبشرية على أمد زمني يصعب تحديده، باتجاه تحقيق الأهداف والمثل التي حملتها ثورة أكتوبر الروسية قبل زهاء القرن.
ومع ان كل مقارنة هي بالضرورة ناقصة، لكن لا بأس من استعادة تجربة الثورة الفرنسية التي انطلقت في العام 1789 وتعرضت لمراحل تأزم وتصفيات داخلية، الى أن ورثها، في ما يشبه الانقلاب عليها مع مواصلة العمل باسمها في آن واحد، الضابط الكورسيكي المولد نابليون بونابارت، الذي خاض حروبه القومية التوسعية بعد ذلك رافعًا راية هذه الثورة وناشرًا شعاراتها، الى أن تمت هزيمته في العام 1815، فعادت قوى الرجعية المناهضة لطروحات الثورة الفرنسية لإعادة السيطرة على الأوضاع في أوروبا لعقود لاحقة. لكن القرن التاسع عشر، الذي بدأ هكذا قرنًا فرنسيًا، وتحول بعد ذلك الى قرن بريطاني، بالدرجة الأولى، مع حضور لقوى وإمبراطوريات أخرى وصعود لدول وقوميات جديدة، مثل إيطاليا وألمانيا في النصف الثاني من القرن، شهد أيضًا اندلاع عدد من الثورات الشعبية المتلاحقة في القارة، قادت بمجملها الى مراكمة مكاسب جديدة للقطاعات الشعبية والديمقراطية، بحيث تحققت، بشكل متدرج، بعض الأهداف التي رفعتها الثورة الفرنسية قبل عقود من ذلك، مثل الحق الشامل، للذكور، في الاقتراع والترشيح الانتخابي، والحريات الديمقراطية المعروفة، كحرية التعبير والتنظيم والتجمع، الخ... ومن المفيد التذكير هنا أن حق النساء في الاقتراع والترشيح لم يتم إقراره في بلد الثورة الفرنسية نفسه إلا في العام 1944، وفي بلد مجاور له هو سويسرا لم يتم ذلك سوى بعد عقود ثلاثة، وتحديدًا في العام 1972!
ما نستخلصه من ذلك هو أن المُثل والشعارات الكبيرة التي رفعتها ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، والتي انتكست في البلد نفسه، وفي بلدان أخرى، بعد زهاء السبعة عقود على الثورة، التي شاب مسارها الواقعي على أية حال الكثير من الثغرات،  تبقى قائمة على جدول أعمال البشرية، التي من حقها أن تواصل النضال من أجل احترام حق الإنسان، كل إنسان، بمعزل عن مكان وجوده الجغرافي وخلفيته العرقية والإثنية والعقيدية أو جنسه وقدراته البدنية، في الحياة الكريمة والحرة والتمتع بخيرات الطبيعة بنفس القدر كغيره، بدون استغلال أو تمييز واضطهاد. وكل الذين آمنوا ويؤمنون بهذه المثل والشعارات من حقهم أن يتمسكوا بهذه الأهداف، مهما كان الوضع الراهن في العالم صعبًا وظالمًا وقاسيًا، بما في ذلك في منطقتنا العربية والشمال والشرق إفريقية والشرق متوسطية. والملايين الغفيرة من البشر في العديد من بلدان العالم الذين ضحوا بحياتهم تحت راية هذه المُثل والأهداف النبيلة طوال القرن الماضي، ومهما كان الواقع الفعلي لتجارب التحول الاشتراكي السابقة ناقصًا ومتناقضًا أحيانًا حتى مع الشعارات والمبادئ التي ترفعها، تستحق تضحياتهم الكبيرة هذه ألا تذهب سدى.
ومن المؤكد أن مسيرة البشرية نحو تحقيق هذه الأهداف لن تسير في خط مستقيم، وستمر بتعرجات كثيرة، وستشهد تجارب أخرى متعثرة أو غير مكتملة النجاح، نظرًا لأن المسألة تتعلق بولوج مرحلة جديدة من التاريخ البشري غير مألوفة، بحيث يكون هناك، بالضرورة، مجال واسع للتجربة والخطأ، وللعناصر والعوامل غير المحسوبة أو غير المتوقعة.
فالنظرية والأفكار وحدها، على أهميتها، لا تكفي لمواجهة تعقيدات الواقع العملي على الأرض، ناهيك عن مواجهة المقاومة الشرسة التي ستواصل إبداءها تلك الشرائح والطبقات، قليلة العدد، المستفيدة من استمرارية النظام الرأسمالي واحتكار الثروة والقرار على حساب الغالبية الساحقة من البشرية. فهذه الشرائح والطبقات لن تستسلم بسهولة، لا بل ستواصل، كما نرى اليوم في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تسببت هي بها من خلال جشعها وميلها المتزايد للتحايل والإلتفاف حتى على القوانين التي وضعتها هي، ستواصل محاولتها إدامة هيمنتها ومنع التغيير الضروري في الواقع بإتجاه نظام اقتصادي اجتماعي أكثر إنصافًا واستجابة لحق البشر، كل البشر، في الاستفادة من خيرات وإمكانيات هذه الأرض التي يعيشون كلهم فوقها. ولكن المسار العام للبشرية سيبقى مندفعًا بالاتجاه الآخر، إتجاه تحقيق تطلعات غالبية البشر بمجتمعات العدالة والحرية والمساواة الحقيقية، مهما طال الزمن وتراكمت المصاعب.


* كاتب فلسطيني (رام الله)

قد يهمّكم أيضا..
featured

"يا أم يا نفس من الشعب العريق .. عيناك مثقلتان كالبحر العميق"

featured

ما نريده هو الخير لشعبنا

featured

أهمية عضوية نلسون مانديلا في الحزب الشيوعي

featured

لوقف جرائم التعذيب والممارسات السادية !

featured

يصرِّون على أفكار ونهج طرد العرب!!

featured

سياسة: أقْتُلْ عربيّا تُصْبِح بَطَلا

featured

" لاآتهم ولاآتنا "