*خلال فترة سجنه – كان عضوًا في اللجنة المركزية. وفي الإعلان الذي نشره الحزب الشيوعي لدولة جنوب إفريقيا جاء: في الوقت الذي اُلقي القبض عليه في آب 1962، كان نلسون منديلا ليس فقط عضوًا في الحزب الشيوعي لدولة جنوب إفريقيا، والذي كان يعمل في السر، وإنما كان أيضا عضوًا في اللجنة المركزية للحزب*
بفضل المعرفة والعمل السياسي المشترك مع الشيوعيين، فقد تغيرت الآراء ليس فقط لدى منديلا نفسه، وإنما للمؤتمر الوطني الإفريقي كله. وبدون هذه الخدمة التي قدمها الشيوعيون، فليس هذا مجرد مفهوم من تلقاء نفسه ان المؤتمر الوطني الإفريقي كان سيتبنّى في 1955 "وثيقة الحرية" والتي بدأت بالكلمات: جنوب إفريقيا تابعة لكل من يعيش فيها. سود وبيض".
في اليوم الذي رحل فيه نلسون منديلا، اختار الحزب الشيوعي في دولة جنوب إفريقيا (م.ق.د"أ) اظهار الحقيقة التي حاول إخفاءها لسنوات عديدة: ان منديلا كان عضوًا في الحزب. وزيادة على ذلك، انه في فترة سجنه – كان عضوًا في اللجنة المركزية. وفي الإعلان الذي نشره الحزب الشيوعي لدولة جنوب إفريقيا جاء: في الوقت الذي اُلقي القبض عليه في آب 1962، كان نلسون منديلا ليس فقط عضوًا في الحزب الشيوعي لدولة جنوب إفريقيا، والذي كان يعمل في السر، وإنما كان أيضا عضوًا في اللجنة المركزية للحزب... وبعد ان أطلق سراحه من السجن في 1990، استمر الرفيق منديلا ليكون صديقًا مقربًا لدى الشيوعيين حتى أيامه الأخيرة.
ومنديلا نفسه نفى مرات عدة انه كان عضوًا في الحزب. وفي خطابه الدفاعي في 24 نيسان 1964، صرح انه ليس شيوعيًا، وإنما بطلا إفريقيًا. ويمكن تفسير هذه الأقوال ان منديلا وسائر المتهمين في المحكمة ناضلوا عمليا للدفاع عن حياتهم، ولذلك تمسكوا بقدر إمكانهم من اجل تخفيف الحكم عليهم. ويجب التذكير، انهم وُجهت اليهم تهم خطيرة جدًا، بما فيها، وضع مواد متفجرة والذي من الصعب فهمه، انه، لماذا الحزب الشيوعي في دولة جنوب إفريقيا والمؤتمر الوطني الإفريقي لم يكشفا عن هذه الحقيقة على مدى سنوات عدة بعد ذلك، بعد ان خرج منديلا من السجن ونظام حكم الابرتهايد قد انهار؟
هذان التنظيمان ملآ أفواههما ماء حول الموضوع. عضوية منديلا في الحزب الشيوعي كُشفت فقط في 2011. وذلك بعد بحث معمق للمؤرخ البريطاني ستيفان أليس، الذي اعتمد على مقابلات شخصية وعلى النبش في الأرشيفات التي فتحت أمام الجمهور.
*ما الذي يمكن فهمه من عضوية منديلا في الحزب الشيوعي؟*
يدور الكلام حول حقيقة مهمة جدًا. يكفي مجرد التصفح ولو قليلا في وثائق الموقف المحتلنة للمؤتمر الوطني الإفريقي، حتى نستطيع ان نشخص تأثير الحزب الشيوعي ومبادئه. في ورقة الموقف المهمة التي عُرضت في 2007، والتي تعالج الاستراتيجية والتكتيك للمؤتمر الوطني الإفريقي، فقد جاء ان دولة جنوب إفريقيا كانت "كولونيالية من نوع خاص، والتي فيها المستعمرون والشعب المولود في البلاد يعيشون على ارض مشتركة". وهذا النص مأخوذ، تقريبا كلمة كلمة، من البيان الذي نشره الحزب الشيوعي في جنوب إفريقيا في 1962.
ومما يذكر ان جنوب إفريقيا ليست دولة اشتراكية. مراكز المشتريات الفخمة فيها، والشكل الذي تدار فيه المصانع والمناجم، يذكّر بالولايات المتحدة أكثر مما يذكّر بالاتحاد السوفييتي. لكن رفاق درب منديلا القدامى وضعوا بصمتهم على جنوب إفريقيا في أيامنا هذه.
دستور جنوب إفريقيا، مثلا، والذي وضع في 1996 بمبادرة المؤتمر الوطني الإفريقي، يعبر عن التزام عميق لفكرة بناء مجتمع متساوٍ، بدون تفرقة عنصرية. لكن التاريخ كان بالإمكان ان يتطور بشكل آخر. كانت فترة، في بداية الطريق، حيث فيها المؤتمر الوطني الإفريقي تغازل مع مبادئ وطنية سوداء، موجهة ضد البيض.
منديلا نفسه، في خطابه الدفاعي أثناء محاكمته، وصف كيف تبلورت آراؤه، والتي كانت معادية للشيوعية في بداية طريقه السياسية: "لقد انضممت للمؤتمر في 1944، وفي مرحلة شبابي آمنت بالفكرة ان السياسة التي تمكن الشيوعيين من الانضمام للمؤتمر، والتعاون الوثيق الذي ساد أحيانا في مواضيع معينة بين المؤتمر والحزب الشيوعي، سيؤديان إلى إخفاء مصطلح القومية الإفريقية. في الوقت نفسه كنت عضوًا في اتحاد الشباب للمؤتمر الوطني الإفريقي، وكنت من بين هؤلاء الذين اقترحوا طرد الشيوعيين من المؤتمر".
التغيير في مواقف منديلا كان بطيئًا. في 1943 تسجل للجامعة في جوهانسبورغ، وكان الطالب الأسود الوحيد في كلية الحقوق. هذه المتعة كان من الممكن ان تكون متعة صعبة وغريبة، لكن عندما كان ما يزال يدرس هناك، تصادق مع مجموعة متنوعة من السود والبيض الذين درسوا في الجامعة، وكان بينهم جو سلوبو، روت فيرست وآخرون. كلهم كانوا ناشطين في اليسار. وتدريجيًا بدأت آراء منديلا تتغير كما أوضح ذلك، بعد سنوات عدة أثناء محاكمته. "خلال عقود كثيرة كان الشيوعيون في جنوب إفريقيا المجموعة السياسية الوحيدة والتي كان أعضاؤها مستعدين للتعامل مع السود كأناس متساوين. وهم الذين كانوا مستعدين ليتناولوا الطعام برفقتنا، للحديث معنا، للحياة والعمل معنا. كذلك كانوا المجموعة السياسية الوحيدة التي كانت مستعدة للعمل مع الأفارقة السود من اجل الحصول على حقوق سياسية ومن اجل اعتراف اجتماعي".
بفضل المعرفة والعمل السياسي المشترك مع الشيوعيين، فقد تغيرت الآراء ليس فقط لدى منديلا نفسه، وإنما للمؤتمر الوطني الإفريقي كله. وبدون هذه الخدمة التي قدمها الشيوعيون، فليس هذا مجرد مفهوم من تلقاء نفسه ان المؤتمر الوطني الإفريقي كان سيتبنّى في 1955 "وثيقة الحرية" والتي بدأت بالكلمات: جنوب إفريقيا تابعة لكل من يعيش فيها. سود وبيض".
وحيث إننا ما زلنا في حداد على موت منديلا، يجب علينا ان نتذكر ونقدر الدور المهم الذي قام به الشيوعيون، الذين تصادقوا مع هذا الإنسان المرموق والذين اثّروا عليه.
