....ولمّا اشتدّ ساعده رماني

single

كثيرا ما تتردد هذه العبارة في حياتنا اليومية ، في اللقاءات والمجالس الشعبية والجماهيرية ، في الاسرة وفي المحيط القريب او البعيد وفي مناسبات كثيرة اخرى ، ومن الناس من يوردها للايجاب في الاطراء والمديح والوصف الصحيح ، وكثيرون من يوردونها للسلب في الطعن والذم والوصف غير الصحيح ، وآخرون يوردونها بشكل موضوعي حقيقي دون مواربة ومن باب اظهار الحقيقة بدون ريب او وجل .
  وفي الواقع كل امرء ينشأ ويترعرع في كنف الاهل والعائلة ، تراه يوما بعد يوم يحذو حذوهم ويقلدهم في غالبية تصرافته ، وقد تنعكس شخصية احد ذويه او احد اقاربه عليه وتتأصل في صفات كثيرة في النهج والتصرف والتعامل واللهجة وربما نمط معيشته وكذلك في مختلف جوانب الحياة اليومية .
  وكثيرون من الناس قد تنسب اليهم صفات الوالدين والاهل وربما تلتصق بهم ، وتراهم ينهجون نفس النهج ويسيرون في نفس الطريق ، ويتصرفون نفس التصرف وربما يكون ذلك بتصرف وقد يفلحون بذلك ، وقد يرفعون شأن نفسهم اولا ومن ثم شأن ذويهم بسمعتهم الطيبة ، وبحسن تصرفهم ونقاوة ضميرهم ، وقد يكون ذلك باعتدالهم في قول الحق والحقيقة والدفاع عنها ، عند كل هذا يكون هؤلاء موضع فخر واعتزاز لانفسهم اولا، ولمن هم حولهم ثانيا، او لمن يتعاملون معهم في شرائح كثيرة في المجتمع الانساني ثالثا  .
  إلا انه قد يقترن بهذا الانجاز وباشتداد الزند ، في اتخاذ القرار السليم ، وفي العصامية والارادة ، والتصلب في الرأي السديد دون مواربة ودون تردد ، نعم يقترن امر قد لا يخطر في بال الكثيرين الا وهو الانانية ، فترى ذلك المرء يجرد الوالدين والاهل وذويه من كل ما تحلى به من الصفات الآنفة الذكر ، وفجأة رأى ان ساعده قد اشتد ويتخيل له انه هو الذي خلق نفسه ، وكأنه لم يتربّ على ايدي والديه ، وقد ينكر كل مجهود بذل من قبلهم في سبيلهم ومن اجله ، هنا وفي هذا الظرف بالذات تطرح انفسها اسئلة عدة فمثلا : اين وفاء ذلك الابن للوالدين ؟  اين سهر الليالي؟ ، اين الرعاية الحسنة؟  ، اين العطف والحنان ؟ اين حفظ الجميل ؟ واين تقف الآية الكريمة ، "وبالوالدين احسانا" !! ، اين ... اين ... ولا مجيب !!! .
  وقد ينشأ المرء ويشتد ساعده برفقة صديق وخليل ورفيق درب منذ نعومة الاظفار ، ويقطع شوطا بعيد المدى في العشرة الاخوية وفي وحدة الحال وفي الامانة والامان ، في الليل والنهار، في البيت وخارج البيت ، وربما في العمل او السفر وقد يحدث ذلك في غالب الاحيان ، وخلال ذلك يتعلم هذا المرء من زميله الكثير من العصامية والاعتماد على النفس ، وطريقة اداء الواجب والقيام به ، وكثيرا ما يحالفه الحظ وينجح ثم ينجح ثم ينجح ويستغل مشورة زميله وصديقه ، ويعمل بموجبها طيلة هذا المشوار ، وسرعان ما يظهر هذا المرء على حقيقته ولو بعد حين ويشتد ساعده ، تراه شديد الزند يتفوه وكأنه فريد عصره ، وقد ينكر كل امر على زميله وعلى صديقه ويدعي انه هو الاساس ، هو كل شيء ، وكثيرا ما يكون العكس هو الصحيح ، فحذارِ ثم حذارٍ ، ثم حذارِ من امثال هذا الزميل وذاك الرفيق .
  ويمكن ان يتعدى ذلك الامور السياسية ، حيث يرقب المرء وبدون عناء اكثر من انسان تقرب وتودد من انسان آخر، له ما له من الكرامة والمقدرة والامكانيات في المؤسسات الاجتماعية الرسمية منها وغير الرسمية ، فيرافقه ويلازمه في كثير من الاحوال ليتعرف على المراكز التي قد فتمكنه من القفز الى الامام متخطيا بذلك زميله ، وفي كثير من الاحيان قد يكون ذلك في الخفاء دون علم زميله ومن وراء ظهره ، وربما يكون ذلك عن طريق التدبير للاساءة بهذا الزميل او الاطاحة به في هذا المركز او ذاك ، وابعاده عن امكانياته الاجتماعية ، ليحل محله في بعضها او في غالبيتها ، وبعد حين تنكشف الامور وتنقشع الغيوم ويعرف هذا المرء على حقيقته وواقعه ، ولكن بعد فوات الاوان .
  إذًا هنا يجب ان نتساءل ! اين معنى الزمالة ؟ اين الامانة ؟ اين المروءة ؟ ونتيقن وبالتأكيد انها في خبر كان وهنا يصح القول التالي : "اعلمه الرماية كل يوم      ولما اشتد ساعده رماني " .
   فالامثلة كثيرة ولا تعداد لها ، ولكن من الافضل والاجدر بنا نحن بني البشر ان نسلك طريق الامانة والاخلاص والاستقامة والوفاء والابتعاد عن الخيانة والخداع والاحتيال والاعوجاج، لان ذلك يسهم حتما بالسير قدما نحو الافضل، وفي طياته الهدوء والاستقرار والتفاهم والتعاون من اجل الصالح العام .

قد يهمّكم أيضا..
featured

تمويل داعش هو السؤال

featured

لندكّ الحواجز!

featured

لماذا التصويت للجبهة

featured

اقتراح يثير التساؤلات

featured

الفشل... والفشل والنجاح

featured

بلفور كان سيشعر بالارتياح في البيت اليهودي

featured

المطلوب مساواة وليس لجان