ضائقة السَكَن في البلاد - أين العرب؟!

single

الأستاذ الجامعي في قضايا التنظيم والبناء في كلية الحقوق في الجامعة العبرية بالقدس، يكتب لـ "الاتحاد"


// لا يمكن لحكومة إسرائيل ان تعالج قضية ارتفاع أسعار الشقق السكنية في البلدات اليهودية وان تتجاهل هدم مئات البيوت العربية كل عام وكأنه أمر لا صله له بأزمة السكن في البلاد

// التقرير الأول الذي نشرته وزارة الداخلية في تاريخ 3.7.2011 حول تطبيق "خطة الطوارىء" يدل على تحريك مخططات هيكلية لنحو 69 ألف وحدة سكنية في البلاد لم يتعدَ نصيب المواطنين العرب منها سوى بضعة مئات فقط! بالإضافة الى ذلك فان المخططات الهيكلية المحلية التي حُرّكت في السنوات الأخيرة لأربع وثلاثين بلدة عربية، لا تحل أزمة البناء في هذه البلدات،  بل تزيدها

 

 شهدت البلاد، في الآونة الأخيرة، مظاهرات واسعة على خلفية ارتفاع أسعار الشقق السكنية. إلا ان هذه الحركة الشعبية لم تشمل، في رأيي، حتى الساعة،  تعبيرا وتجسيدا كافيا لما يعانيه المواطنون العرب من انعدام حقهم في المسكن في اغلب البلدات العربية وهو ما يتجلى بالأساس بهدم عشرات البيوت العربية سنويا وتشريد أصحابها وبملاحقة المواطنين العرب بأقسى الوسائل الجنائية والإدارية بحجة البناء غير المرخص. وفي نظري، لا يمكن لحكومة إسرائيل ان تعالج قضية ارتفاع أسعار الشقق السكنية في البلدات اليهودية وان تتجاهل هدم مئات البيوت العربية كل عام وكأنه أمر لا صله له بأزمة السكن في البلاد.
وفي الحقيقة، لا تعود ظاهرة البناء غير المرخص في البلدات العربية إلى انعدام مخططات هيكلية كافية فحسب، كما صرّح الكثيرون مؤخرا، بل هناك عوائق حكومية وتخطيطية وبيروقراطية - قضائية تمنع المصادقة على المخططات الهيكلية اللازمة للبلدات العربية، وتمنع تنفيذ هذه المخططات حتى لو تمت المصادقة عليها.
في دراسة واسعة باللغة العبرية قمت باعدادها، مؤخرا، بالتعاون مع مركز "دراسات" لحقوق الفرد والسياسات، حول قضية البناء غير المرخص في البلدات العربية، كُنت قد  شرحت بالتفصيل العوائق المباشرة التي تمنع المواطن العربي في البلاد من الحصول على رخصة بناء. لا يمكنني في مقالتي هذه إيجاز الدراسة كلها. لكني أود ان استعرض جزءا من هذه العوائق:


1
 العوائق الحكومية، شارع رقم 6،
وجدار الفصل العنصري


 تعاني السلطات المحلية العربية من نطاق نفوذ ضيّق يمنعها من إقامة أحياء سكنية جديدة  أو من تنظيم الأحياء السكنية التي أقيمت خارج نفوذها. اذ لا يمكن المصادقة على مخططات هيكلية في هذه المناطق إلا بعد توسيع نفوذ السلطة المحلية. وهو أمر منوط بقرار من وزير الداخلية استنادا الى توصيات "لجنة حدود" يعيّنها لهذا الشأن.
نتيجة لسياسة وزارة الداخلية, لا يوجد سوى 5 سلطات محلية عربية تعمل كلجان محلية للتنظيم والبناء وهو ما يمس أداء السلطات المحلية العربية بشكل كبير في مجال التنظيم والبناء. وفي إطار العوائق التخطيطية، فان المخططات الهيكلية القطرية واللوائية، والتي على كل مخطط هيكلي محلي ألا يناقضها كشرط لقبوله، تمنع تخصيص مناطق عربية كبيرة للسكن.
على سبيل المثال ايضا, شارع رقم 6 (ما يسمى بعابر إسرائيل). فمع انه من الناحية "التخطيطية" المعلنة قد أقيم لغاية المواصلات فقط، أصبح مع الوقت حدًا جغرافيًا لتطوّر البلدات العربية المحاذية له، حيث تقرر خلال مناقشة المخططات الهيكلية للبلدات العربية المحاذية لشارع رقم 6 من الجهة الشرقية ان يكون الشارع حد تطوّر هذه البلدات لتبقى أراضي هذه البلدات التي تقع غرب الشارع مناطق خضراء يحظر البناء السكني فيها.
أما بخصوص العوائق البيروقراطية- القضائية، فلا يمكن إصدار رخصة بناء لمبنى سكني إن لم يكن متصلا بشبكة الشوارع والبنى التحتية كالمياه والمجاري وغيرها. بسبب هذا الشرط، ولانعدام شبكة البنى التحتية المطلوبة في كثير من البلدات العربية، لا يمكن اليوم ترخيص أحياء عربية كاملة. وللسبب ذاته، بقيت مخططات هيكلية عديدة لإقامة أحياء سكنية عربية حبرا على ورق ولم تنفذ إلى الآن.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية علينا الانتباه الى الأمر التالي: في البلدات العربية المحاذية لجدار الفصل العنصري اشترطت المخططات الهيكلية الجديدة إصدار رخصة بناء في كل ارض تبعد حتى 120 مترا من جدار الفصل العنصري بالحصول على موافقة ممثل وزارة "الأمن"، الأمر الذي يصعّب ترخيص مجموعة كبيرة من البيوت العربية القريبة من جدار الفصل العنصري.


2
"خطة طوارىء" بدون العرب 


في الحقيقة، حتى اليوم لم تعالج دولة إسرائيل على اختلاف حكوماتها قضية البناء غير المرخص في البلدات العربية ولم تعمل على النحو المطلوب لحلها. حتى حينما صادقت حكومة إسرائيل في تاريخ 13.3.2011 على "خطة طوارىء" لتسريع إجراءات البناء في البلاد لم تناقش الخطة أزمة السكن وهدم عشرات البيوت سنويا في البلدات العربية. كما أنّ التقرير الأول الذي نشرته وزارة الداخلية في تاريخ 3.7.2011 حول تطبيق "خطة الطوارىء" يدل على تحريك مخططات هيكلية لنحو 69 ألف وحدة سكنية في البلاد لم يتعد نصيب المواطنين العرب منها سوى جزء بسيط يقتصر على بضعة مئات من الوحدات السكنية فقط! بالإضافة الى ذلك فان المخططات الهيكلية المحلية التي حرّكت في السنوات الأخيرة لأربع وثلاثين بلدة عربية لا تحل أزمة البناء في البلدات العربية، بل تزيدها، لأنها مخططات هيكلية محلية غير تفصيلية لا يمكن الحصول بموجبها على رخص بناء، بل ان الحصول على رخصة بناء بموجبها منوط بالمصادقة على مخططات هيكلية تفصيلية إضافية للتوحيد والتقسيم (إيحُود فِحَلُوكَا) في الأراضي التي خصصت للسكن، تستغرق المصادقة عليها سنين طويلة وفي بعض الحالات تستحيل المصادقة عليها وذلك لمشاكل ترتبط بقضية الملكية الخاصة والأراضي العامة.


3
لماذا نقف متفرجين؟


علاج أزمة السكن والوجود في البلدات العربية يحتاج إلى خطة شاملة تعالج كل العوائق الحكومية والتخطيطية والقضائية التي طرحتها في دراستي المذكورة. من هنا،  قد يكون الاتجاه الصائب في هذه الفترة الاستفادة من المظاهرات الأخيرة لمطالبة حكومة إسرائيل بتعيين لجنة فحص رسمية تحقق في مسألة البناء غير المرخص في البلدات العربية. على هذه اللجنة ان تشتمل في تركيبتها على المختصين العرب، كما عليها ان تشرك رؤساء السلطات المحلية العربية واللجان الشعبية الناشطة في البلدات العربية وان تستمع الى شهادات المختصين في هذا المجال من مخططين ومحامين وغيرهم.
خلاصة القول: ان قضية تشريد الكثير من العائلات العربية سنويا لا يقل أهمية عن مسألة ارتفاع أسعار الشقق السكنية ان لم تكن الأهم. لهذا علينا استغلال الحركة الأخيرة بخصوص ضائقة السكن لطرح قضية البناء غير المرخص في البلدات العربية أمام حكومة إسرائيل وحلها نهائيا.

 

• ) الكاتب محام. وهو محاضر في قضايا التنظيم والبناء في كلية
 الحقوق في الجامعة العبرية بالقدس)

قد يهمّكم أيضا..
featured

اللي استحوا فِطسُوا!

featured

الإحتلال دفيئة سامة للعنف

featured

مبادرة مباركة يا ناصرة الوحدة الوطنية !

featured

شطحات عن الديمقراطية وبعض الديقراطيين!

featured

لشعبنا هوية وثقافة وجذور

featured

واقع اليسار الفلسطيني ومستقبله

featured

في رثاء المرحوم خليل أبو زينة جبارين: رحيل فارس العطاء

featured

لإسقاط التحريض المذهبي الاسرائيلي