اعتذار لمن قرعوا الأجراس

single

إنهم ليسوا جنودًا مجهولين، فنحن نعرفهم بالأسماء ومن خلال ما كتبوا خلال العقود الخمسة الماضية على الأقل.
وهذا ليس دفاعًا عنهم فقط، بل هو اعتذار متأخر لكن أوانه لم يفت شأن كل اعتذار تاريخي وأخلاقي.
وحين تصبح إدانة النخب بمثابة تبرئة للنفس أو تعميم يتيح تعويم المواقف، فإن أول ما يجب تسجيله للتاريخ هو أن النخب ليست كتلة صماء أو أفرادًا متجانسين، ومتساوين كأسنان المشط، فهم مختلفون بالضرورة، ليس فقط من خلال ما تحدّث عنه "غرامشي" وهو تعبيرهم عن مصالح الفئات والطبقات التي ينتسبون إليها، بل من خلال منسوب الوعي لديهم والتفاوت بين مناهجهم ورؤاهم.
من هؤلاء من بُح صوته وهو يحذر ويصرخ، لكن لا حياة لمن نادى ومنهم من قرع الجرس حتى سقط لسانه الحديدي ولم يسمعه أحد، بسبب الاستغراق في شجون يومية وحياتية لصالح الضرورة على حساب الحرية. لهذا من الافتراء والإجحاف خلط حابل من أنذر وحذر ورأى عن بعد كزرقاء اليمامة غزاة يختبئون تحت الأغصان بنابل من تعافى وانسل باحثًا عن النجاة بأي ثمن! والمساواة بين شاهد الحق وشاهد الزور انتهاك مع سبق الإصرار لمنظومة القيم والمفاهيم.
ومن واجهوا مصير زرقاء اليمامة وفقئت عيونهم لأنهم باحوا بما رأوا يليق بهم الاعتذار حتى بعد الرحيل.
إن فلسفة التعميم، وفقه خلط الأوراق لهما هدف واحد هو مزج الحبر النظيف بالحبر السام. من هنا لابد من وقفة جريئة لإعادة الاعتبار إلى من أثبت التاريخ صدقيتهم، وإعادة المساءلة لمن راوغوا وكذبوا وقالوا إن السلحفاة تطير سواء كانوا من الموتى أو الأحياء!
لقد أتخمنا من هذا التعميم وليس من المعقول أن يتساوى في نهاية المطاف - إن كانت له نهاية - من صدق أهله كالدليل ومن كذب عليهم.
واللحظات التي نعيشها الآن أو بمعنى أدق نموتها دون دفن مناسبة لا تقبل تأجيل الفرز، فقد تحطمت أضراسنا مما مضغنا من الزؤان. إن مثل هذا الفرز هو بمثابة الكشف عن السبب لإبطال كل هذا العجب.

قد يهمّكم أيضا..
featured

في الذكرى الـ30 لمجزرة صبرا وشاتيلا: تقاطع الجريمة والهمج على الجسد

featured

الاشتراكية مستقبل الشعوب الجميل

featured

عنصرية بسلطة المطارات وإل-عال

featured

ثورة علم الوراثة وآفاقها

featured

سنعود خصّيصا لمشاهدتك يا "زهرة الجرمق"

featured

العرب البدو أقوى من العنصرية والعنصريين