مِسْمارٌ أقْطَمُ ! أفْحَمُ !

single

اجْتَثّوا الشّجرة من العِرق، وَجَورُ ذوي القُربى..! لكنّها تجدّدتْ وتحدّتْ!


         
        استعاد عبد الله المحمّد رشده وصوابه، بعد خيبة الأمل التي تركت بصماتها على جبينه  وَمُخَيّلَتِهِ في المشوار السّابق،وبعد أن أكل مرافقوه الطُّعْم، وشمّعوا رأس الخيط،ناجى نفسه بكثير من القناعة قائلًا : بسيطة يا عبد الله! عَدّوا موجات البحر لقوا الجايات أكثر من الرّايحات، لا بُدّ أن يعودوا ويعلقوا على صنّارته مُتفرّعة الاتّجاهات،الرؤوس والشوّكات،جادوا عليه وأسبغوا الكثير من الألقاب، النّعوت والصّفات،شوّهوا وَمَوّهوا،شرشحوا ولطّخوا، خاصّة حين كان فتىً صغيرًا، ألقاب وأمثال من كعب الدِّسْت: ابن الأرملة،الّلي رَبَّتْ كلب ما نبح، وْقَنَتْ ثور ما فلح، مسمار أقطم ،غصن صغير مقطوع من شجرة، لا قُدّاموا ولا وراه، مِش ابن عيلة لا إلو ولاد عمّ ولا ولاد خال ،ما عندو أصوات للانتخابات ، الجاجة بتوكل عشاه شرشوح  ممسوخ،لا في العير ولا في النّفير،علي معكو يا بعدي،كمالة عدد،يمرّ بلا حساب ولا رصيد،أغلبيّتهم عرفوا أنّهم يشوّهون الصّورة الحقيقيّة ويمسخونها بلا هوادة،لم يتقدّم لِأيّة وظيفة، ولو تقدّم فلن يفوز بذلك، ما إلو ظهر،فش وراه  بكّايات، في عهد الوساطات ،مش مدعوم،مش زلمة سلطة،جقيم وراسو يابس،عنيد وبيضرب راسو بالحيط، حاولوا شراءه وابتياعه، أو ضمّه الى صفوفهم، الإغراءات، المناصب، الرّواتب، الوظائف،ليست مجرّد وعود بل قولًا وفعلًا،الكثيرون مِسْكوا ع َ شواربهم وْحَلْقْها اذا ما وفَوا بالوعود، حلفوا أغلظ الأيمان بالطّلاق، محاولات بائسة ويائسة لجذبه الى صفوفهم، عائلاتهم، تجمّعاتهم،تكتّلاتهم ،مؤامراتهم،دسائسهم وسقوطهم الى الدّرك الأسفل، كانت كناطح صخرة،جرّبوا كافّة الوسائل المشروعة وغير المشروعة،لكن ما عند قريش خبر،ماشي ع َ الصّراط المستقيم،زيارات، كبسات، سهرات،إيحاءات،عونطات ،إغراءات ،كلّها كانت من رابع المستحيلات.
عبد الله تربّى على القِيَم م والمبادئ،صحيح أنّ الوالد ذوى مبكّرًا ،إلاّ أنّه ترك بصماتٍ ومواقفَ مشهودةً، حتى في أحلك السّاعات والأوقات، حين كان العرب عربَين، قيس وَيَمَن ،يزبكيّة وجنبلاطيّة ،وموقعة عين دارة يذكرها الأمّيّون وأشباه المثقّفين،حين تُوَلِّع طوشة بين فردَين بسبب أو افتعال سبب،يبدأ ضرب العصي ،خوذ عنّي جيتك، الرّجال يعتلون السّطوح ويقفزون من سطح الى سطح في الأزِقّة والدروب الضّيّقة ، والنّساء خلفهم مع قُفَف الحجارة على السلالم ،الذّخيرة، المقلاع ، المنساس، عصا المنكوش، البلطات والفواريع، وما تيسّر من وسائل الهجوم والدّفاع،مطاريح،مجاريح،دماء تسكب في المزاريب، مِدّ جيوشك يا سُلطان هاي السّاحة والميدان،هذه المعمعات والّلمّات لم تلعب دورًا عند محمّد العبد الله ،هو حياد إيجابي ، قبل مؤتمر باندونغ ، وقبل المغفور لهم :عبد النّاصر يا جمال ، يا مقدام عروبتنا، وقبل جوزيف بروز تيتو،كوامي نكروما ،جواهر لال نهرو... ،يركب الشّيخ محمد الكدّوشة ،على جناح السّرعة وين البيت جنّيّة وينك يا البقيعة،سحماتا ودير القاسي...جاي ياغلمان ! الطوشة ولّعت في إمّ الخير ، وين راحت الحميّة لإطفاء الحرائق وتضميد الجراح.
هذا العبد الله ،رغم ما صدر من بعض أهل الضّيعة الضّايعة بِحقّه وشخصه البسيط،لم يُعِر اهتمامًا لهذه التّفاهات والتّرهات الخاويه،اشتق طريقه ورحلته الجبليّة الوعرة، أوْعر من رحلة تلك الطّوقانيّة النّابلسيّة،فدوى الوطن وابراهيم الشّقيق الرّقيق الرّحيق،وهُما أحلى من الكنافة النّابلسيّة المشهورة،رفاق،أصدقاء، أتراب ومعارف عبد الله كانوا كُثرًا،تجمعهم دوائر وحلقات وخطوط طوليّة وعرضيّة لا حدود لها،في بلدة أم الخير،في الجليلَين،الكرمل،السّاحل ،المركز ،المثلّث والنّقب،في الجولان العربي السّوري،في مناطق الدّولة الفلسطينيّة المحتلّة :الضّفة والقطاع معًا،أضف الى ذلك مجموعة كبيرة من حَمّلَة الأقلام والمثقّفين ورجال الفكر اليهود المستنيرين والعقلانيّين،زيارات متبادلة ،ندوات،لقاءات، محاضرات ،جولات ميدانيّة محلّيّة،هذا الانفتاح الحقيقي على الآخر المُختلف،قضّ النّوم من مهاجع ومضاجع الكثير من الحاسدين والشّامتين،لم يقدروا على بلع وازدراد هذه الشّخصيّة الغريبة الفريدة والتي اعتبروها لسنوات عديدة مسماراَ أقْطَمَ ،لا في العير ولا في النّفير، واذا به يشقّ طريقه الاجتماعي الانساني بخطى حثيثة ثابتة وراسخة،كأنّه رسول سلام ومحبة في عهد الفدعرات والمناورات الطّائفيّة والعائليّة المُفتعلة، من قِبَل أولاد الحرام الذين لا ينامون ولا يسمحون لِأحد بأن ينام.
رغم كلّ هذا وذاك ،ظلَّ وما فَتِئ عبد الله المحمد يردّد مع الفنّان لطفي بوشناق: خُذوا المناصِب والمكاسب/لكن خلّولي الوطن/ أنا مواطن وحاير أنتظر منكم جواب/منزلي في كلّ شارع، كلّ ركن وكل باب ! مهما ضَلَّت الضّيعة الضّايعة، مع الاعتذار من الفنّانَين المتألّقَين نضال سيجري وباسم ياخور وبقيّة الطّواقم الفنّيّة والشّارة الموسيقيّة الغنائيّة الملازمة :
يا ضيعة ما نْسيتِكْ(ما بْعوفِكْ) يوم/ مهما اشتدّ عْلَيّ كُثر اللوم/انتي عيوني وانتي النّوم/ وانتي الدّمع ع َ خدودي/مشتاق يا رمّانة والتّوتة إلّلي فيها دالية/ صبايا الضّيعة الحليانة/بعد ما تفارق بالي/ مَرّت الدّني بدّي ضيعتنا تْظَلاّ حَدّي/ والضّيعة يمكن بَدّا  تَ إبقى أنا حدّا/ شامِمْ ريحة قُمبازْ بَيّي،صوتِكْ يا إمّي عايش فِيّي/ عَمْ يعطيني صبر وقوّة... ويبقى علي الدّيك يتربّع على عرش الطّرب والفنّ الشعبي، شاء مَن شاء وأبى من أبى.
يُدْعى عبد الله للكثير من اللقاءات والنّدوات العربيّة أو العبريّة، أو الاثنتين المشترَكَتَين معًا، عمرو ما قال لا! الواجب واجب والرّسالة يجب أن تُرْسَل وجاهيًّا، حضوريًّا،صوتيًّا وكتابيًّا وبالّلغتَين الشّقيقتَين معًا، رغم أن أغلبيّة وسائل الإعلام العبريّة تتجنّب هذا الانفتاح الحضاري ،دون التّقوقع والانطواء،يهاتفونه،عن سابق معرفة، أو دون معرفة:مُمكن نحكي مع حضرة الشّيخ عبد الله؟
-يجيبهم على الفور تلقائيًّا: من كثرة المتمشيخين على الدّمَن والكراديش والولائم والمسيلمات الكذّابين والدّجالين، أمثال فصيلة الخيش وبقية خِياش التّبِن،المتخصّصين في كلام الطّبيخ وطبيخ الكلام!عبد الله جمّد هذا اللقب الأجوف في معظم الحالات،ولا يعني سوى المكر والاحتيال إلى جانب التّحريض الطّائفي الأرعن والمُشرعَن! في الحركات الظّلاميّة ،الغيبيّة والرّجعيّة، ناهيكم عن التّخلّف والتّكفير!
-طيّب ! يا عمّي كيف ما بدّك! شو اسم المحروس ؟ تَنّاديك باسمو !
-إسمو عبد الله ابن عبد الله إلى ما لا نهاية!
-طيّب خلّينا نشكرك على كتاباتك وجرأتك المعهودة!
-لا شكر على واجب! أنا أقوم بواجبي تجاه أبناء شعبي ووطني.
 المسمار الأقطم  ما عاد أقطمَ ! بل أصبح  مِشْذَبًا،واجهة، شبّاك عرض(فترينا) للرايح والجاي، أفحم الكثيرين بردوده ومواقفه ،حتى خصومه السّياسيّين والاجتماعيّين والقَبَليّين، اعترفوا بالأمر الواقع، سيّان أكان الأمر مكرًا وخبثًا ولؤمًا مُبيّتًا! أو نتيجة للاعتراف بالأمر الواقع، أخذ البعض يتودّد إليه ويتقرّب لغايات مبيّتات، أو اعترافًا بواقع جديد فرضه عبد الله،قال هذا: زرع أهلي بي الكثير من القِيَم  الانسانيّة، كما أكّد لي الكثيرون من المعاصرين والمجاورين لهم،وهم مصدر ثقة لا يتملّقون ، ولا يمسحون الأجواخ،طيّبو القرية ما زالوا يترحّمون على والدَي هذا العبد الله وعلى أجداده أصحاب البيت الواسع، إلّلي كانوا يِفِرْجوأ النّاس وقت الضّيق، حسنة لوجه الله! بيتهم زيّ بيت السّبع لا يخلو من العظام، ياما فكّوا ناس،على نِيِّة الخير.
 عاد عبد الله إلى ذاته،فلاحتْ في مُخيّلته  أغنية : مقطوع من شجرة  ل ِ سمسم شهاب المصري:
جُوّايَ شعور فظيع/ إنّي انتهيتْ وْبَضيع/ بين الأمل واليأس/ مِتْعَلّقْ في قَشّاية/ بَضْحَكْ وضحكي دموع/ وْبُكايَ مش مسموع/ وْبَقول الآه تَيْحِسّ/ والنّفسيّة تعبانة/ تْعِبْت كثير وْشُفْتْ كثير/ وْفيه ناس كثير بِتْخَيّب ظنّي/ بَقابل ناس وافارق ناس/ والفرقة توجع والصّدمة...
بعض الّلي بالوجه مراي وبالقفا  ...اي (أجَلَّكُم الله) يتملّقون لعبد الله: بَيَّضِتْ وجه البلد والطّايفة، الله يبيّض وجهك، وِيْسهّل طريقك يا مكثور الخير...عبد الله لا يعير كلامهم اهتمامًا، ويرجو خيرًا من الصّامتين على مضض، ويقول : الدّنيا مليانة إن خِلِتْ بِلِتْ !

**
الرّفيقة أمّ نجيب سلوى موسى ،رفيقة درب الراحل الرّفيق جمال ، والاثنان عريقان بالأصالة والبسالة،هاتفتني  عاتبة وبِصدق وغبطانيّة وأمليّة: شَرَّقْتَ وغرّبْتَ في مقالِكَ :حمّلوه ملف المراثي،ونسيتَ ذِكْرَ رفيق الدّرب جمال موسى، يعني ما إلو بكّايات ،رغم مرور قرابة ربع قرن على رحيله ؟ إنّني أعتذر منها والأسرة الكريمة، وبقيّة الرّفاق والأصدقاء الذين لم آتِ على ذّكْر ذويهم الرّاحلين الخالدين!

قد يهمّكم أيضا..
featured

الصحافيون الذين خدعوا نقابتهم

featured

نتنياهو بين الرفض والقبول الإسرائيلي

featured

عن حريّة التعبير ووهم السلطة الرابعة

featured

باص القائمة المشتركة يتجول في شوارع الناصرة

featured

رسالة ايمن عودة: رسالة بناء المستقبل

featured

حالة لا تبشّر بالخير!