لعبة كنا نلعبها أيام الصغر. كنا نتناول زهرة البسباس المشهورة بورقها الأصفر العريض.. نضمر على شيء ما ونبدأ نختبر ظننا فننتزع من الزهرة ورقة بعد ورقة ونردد مع كل ورقة كلمة سبع للتفاؤل أو كلمة ضبع للتشاؤم. نواصل انتزاع الأوراق إلى ان نصل إلى النهاية وطبعًا نتمنى ان يرافق انتزاع الورقة الأخيرة كلمة سبع.. عندها نحس بالاطمئنان بان ظننا كان صائبًا، وهكذا كنا نفعل أحيانا لنجد مخرجًا لاختلافات الأطفال التي لا تنتهي، فالمثل قال: قاضي الأولاد شنق حاله..!!
أود أن أسرد عليكم أحداث قصتين حقيقيتين حدثتا معي.. من خلال عملي. ففي الحادثة الأولى.. شكى إليّ احد المسؤولين في مدرسة ما من ان الجيران يكدسون بين الحين والآخر أوساخهم قريبًا من سور المدرسة، وليس المقام هنا لتعداد الآثار السلبية من ذلك.
قبلت الشكوى وتضامنت معه ثم وعدته بحلها مع صاحبها! ولكنه أغضبني عندما أنهى كلامه قائلا "ها أنا قلت لكم وانتهى دوري"!
موقف صاحبنا ورؤيته للمشكلة لا يعكس حالته فقط.. بل هو يمثل جزءًا كبيرًا من المسؤولين في مجتمعنا الذين ينتظرون أوامر من أعلى منهم في الرتبة كي يعملوا هذا أو ذاك. قسم كبير منهم يؤمن بانه إذا بلّغ بالأمر لمن فوقه فقد انتهى دوره!! وبعد ذلك يصبح الأمر الذي أثير هامشيا وبالنسبة لصاحبنا أقول بان إزالة الأوساخ أو عدم إزالتها سيّان عنده!! وهذه هي المصيبة بالذات.
الحادثة الثانية وقعت معي أيضا أثناء زيارتي لمكتب ترخيص السيارات في كرميئيل. هناك لفت نظري رجل الأمن في المكان (اسمه وعنوانه معي) وكما يظهر فالرجل اخذ على عاتقه أمورا عديدة لضمان سلامة المعالجة بالسرعة الممكنة من منطلق وعيه بان الوقت ضيق عند جميع الناس!
فمثلا رأيته يراقب ويرتب اصطفاف الناس في الدور وكذلك يأخذ ورقة الدور المتأخر من كل من يترك المكان ليعطيها للزبون الجديد الذي يدخل المكتب، فيكون بذلك قد خدمه وأعطاه دورًا سريعًا لمعالجة قضيته.
لأكثر من مرة سمعته ينادي على صاحب الدور للرقم 165 – فلا يسمع إجابة له فينادي على الذي يليه 166.. ومرة أخرى لا يسمع تلبية لندائه فعندها ينادي على صاحب الدور التالي ويدخله.. رأيته أكثر من مرة يشير إلى الزبائن.. كي يتوجهوا لشباك المعالجة رقم كذا وكذا.. وفي اعتقادي ان لدوره كان أهمية خاصة في معالجة أمور الناس بالسرعة القصوى.
للقضيتين مدلول كبير حول سلوكنا الفعلي في أي عمل نقوم به. فالعامل أو المسؤول الذي يتهيب دائمًا من القيام بالأمور التي تقع في دائرة عمله أو حولها ولا يعملها الا بأوامر من فوق أو يكتفي بالتبليغ عن ضرورة عملها لمن فوقه.. فمصيره لا محالة الفشل. كأنه يمارس لعبة سبع وضبع فهو يعمل هذه ولا يعمل تلك.. وكما قلت سيفشل في النهاية.
أما العامل أو المسؤول الذي يجازف ويعالج مستجدات عمله ينجح أولا باكتساب شرعيته للعمل الجديد ثم يعوّد الناس على انه هو المسؤول والمنظم لهذا الأمر. فانتماؤه لعمله وقناعته بدوره يزيدان من ثقته بنفسه ومن ثقة الناس به.. وصاحب العمل لا بد وان يلتفت إلى نشاطه الإضافي هذا فيجازيه عليه ثم يضعه في خانة الواجب ترقيتهم. وسيرتقي الى منصب أعلى ان آجلا أو عاجلا.
الحادثتان تثبتان بان الصلاحية لا تؤخذ بل تُحصِّل بالممارسة العملية، وما الدنيا الا تجارب هذه تجربة ناجحة نأخذ بها ونكررها.. وتلك تجربة فاشلة نتوقف عن التعامل بها ثم نتركها نهائيًا.
فالمتفائل يعمل ويعمل ولا ينتظر أوامر من فوق. أما المتشائم فيختصر مسؤولياته ويتابع مسلسل اخراج نفسه من المسؤولية إلى ان يصبح هو نفسه خارج اللعبة.
لا تصح لعبة سبع ضبع مع المسؤولية في العمل وليس مقبولا من المسؤول ان يقول "هذه اعملها أنا أما تلك فعليك أنت".
أنا وأنا وأنا أعمل لأنني أومن بواجب وصحة العمل...
(دير الاسد)
