نظرة على نتائج الانتخابات البرلمانية

single

يبدو واضحًا تراجع ما يعرف بقوى يسار الوسط (الصهيونية)، واندماج مصوتي هذه الأحزاب في خانة يمين الوسط وانجراف الكثير منهم إلى اليمين وصولاً إلى حزب الليكود وحزب ليبرمان، أما قوى اليمين المتطرفة فلم تأت بغلال وافرة من هذه الانتخابات حيث حافظت على قوتها، ما عدا حزب ليبرمان الذي وإن اعتبر متطرفًا إلاّ أنه يعتمد بشكل أساسي على المصوتين الروس، وعلى فئات يمينية لا تندرج تحت الأطر المتطرفة التي تتبنى أيديولوجيا وفكر قومي يميني، وقد بدا ذلك أيضًا من خلال الحملة الانتخابية التي قادها ليبرمان بإبراز شخصه بدون إبراز أي مرشح آخر من قائمته، مع العلم أن العضو الثاني في قائمته هو عوزي لانداو، أحد ابرز الشخصيات الأيديولوجية اليمينية تطرفًا، إلا أن ليبرمان لم يعول على هذه الأصوات التي قد ترى بعوزي لانداو منقذهم أو قائدهم.
لقد أفرزت هذه الانتخابات ضعضعة أسس الخارطة الحزبية، وإدخالها في بحر التقلبات، فبروز حزب كاديما على حساب حزب العمل الأسطوري، وتمكنه من رئاسة الخارطة الحزبية لا يعد أمرًا نهائيًا بعد، فلم يتسنى لكاديما تثبيت أسس وقواعد ثابتة يمكن الارتكاز عليها إلى أمد بعيد، فأكثر ما يربط أعضاء وزعامة كاديما هو تواصل المصالح ومجاراة الاختلافات التي لم يحن الوقت للبت فيها، وفي مطلعها التوجه الفعلي لمفاوضات جدية لحل الصراع العربي الإسرائيلي، لذلك مازال أمام كاديما طريق شائكة وملتوية تهدد مواصلة سير هذا الحزب جديد النشأة. أما على صعيد تثبيت دور تسيبي ليفني كقائدة لهذا الحزب فالأمر منوط باستلامها رئاسة الحكومة، لأنه في حالة عدم وصولها لهذا المنصب ستبرز من جديد الخلافات التي ظهرت إبان المنافسة على رئاسة كاديما، ولن يكون من السهل تثبيت قواعد هذا الحزب إذا لم يحصل أعضاء قيادته على مناصب وزارية تضمن الحفاظ على مصالح أعضائه الذين أكثر ما يجمعهم هو الحصول على التوظيفات والمصالح.

 

*ازدياد قوة الليكود*

أما حزب الليكود الذي عاد إلى الساحة السياسية بقوة أكبر، فقد أثبت أنه قوة لا يستهان بها، وأنه قادر على إحراز نتائج أفضل في المستقبل، وذلك نظرًا لافتقاد الساحة السياسية لقيادة تطرح الأمور بوجهة نظر مختلفة عن الدعاية التي يروجها الليكود، منذ بزوغ نجم شارون في مطلع القرن الجديد، بأنه لا يمكن تحقيق أي تقدم في المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وأنه على إسرائيل القيام بخطوات أحادية الجانب تضمن أمنها، بدون الالتزام بتنفيذ أي معاهدة من المعاهدات التي وقعت عليها إسرائيل، أو التزمت بتنفيذها أمام اللجنة الرباعية، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة، التي أظهرت على مدار السنوات الأخيرة أنها تضغط على حكومة إسرائيل لتنفيذ هذه المعاهدات، بدايةً بخارطة الطريق.
لقد استفاد نتنياهو من الحرب الأخيرة على غزة أكثر من منافسيه، وذلك لأنه أقنع الناخب الإسرائيلي بأن الخطر الحقيقي يكمن في الضفة الغربية، حيث أن تهديد أمن إسرائيل من هناك سيصبح أسهل، في حالة إحراز تقدم في المفاوضات، وضمان حرية التنقل بين الضفة الغربية وغزة، لذلك فقد صوت الناخب الإسرائيلي هذه المرة لصد أي إمكانية لإحراز أي تقدم في المفاوضات، أو حتى الدخول بشكل جدي فيها، فلا يمكن لأي حكومة أن تقوم بدون دعم من الأحزاب اليمينية المتطرفة والمعارضة لأي تقدم على صعيد المفاوضات.
لقد أثبت نتنياهو هذه المرة انه القائد الأبرز على الساحة السياسية المحلية، فطروحاته  تجاوب على توقعات المواطن الاسرائيلي البسيط الذي أصبح مقتنعًا بضرورة استمرار الصرامة العسكرية لدحض أي خطر فلسطيني قد يأتي من الضفة الغربية، واستمرار الأعمال العسكرية ضد حركة حماس، بدون الالتزام باستمرار المفاوضات ولا حتى طرح هذه الإمكانية، كأنه يقول أنه بإمكان أبو مازن مواصلة عمله كرئيس للسلطة الفلسطينية داخل الجيتوهات المحددة، بدون أن يطمح لأي شيء إضافي، ومن المؤكد أنه سيحاول التحايل على الإدارة الأمريكية الجديدة في حال وصوله إلى رئاسة الحكومة، وإبراز كافة النقاط التي تهدد أمن إسرائيل، ومن ثم المماطلة في اتخاذ خطوات جدية في حال ضغطت الإدارة الأمريكية، ولا يستبعد اعادة الكرة على غزة مرة أخرى كي يبعد أي إمكانية لإعادة المفاوضات.

 

*فشل باراك*

أما ايهود باراك الذي فشل في إعادة أمجاد حزب العمل، وقاده إلى المكان الرابع بعد أن فقد هذا الحزب شريحة كبيرة من مصوتيه التقليديين، من أعضاء الكيبوتسات وقواعده الثابتة في المدن الكبيرة، يعي اليوم أنه لا يمكن النهوض بهذا الحزب في ظل الأوضاع السياسية الراهنة، خصوصًا وأنه (باراك) لم يكمل مسيرة هذا الحزب التقليدية ليس في هذه المرحلة فقط، ففي العام 1999 عندما اعتلى رئاسة الحكومة بانتخابات مباشرة بدأ بتصفية القيادات السياسية البارزة في الحزب، وأدار شؤون الحزب والحكومة بشكل انفرادي، وابتعد عن الخطوط اليسارية التي كان يدعيها قادة هذا الحزب، وادخل الشارع الإسرائيلي في وهم بأنه سيحل الصراع بشكل فوري ونهائي، لكنه واحتكامًا للنقاط ال6 التي طرحها قبل انتخابه لرئاسة الحكومة، والتي تلغي أي امكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة، هدم عملية المفاوضات وسمح لشارون بدخول المسجد الأقصى، وأقدم على تأزيم الوضع وبدء الانتفاضة الثانية. باعتقادي أن باراك لم ينجح هذه المرة بإعادة مجده السياسي، حتى بعد أن نجح بإعادة جزء من مجده العسكري من خلال الحرب العدوانية التي قادها على غزة، لأنه لم يطرح أي شيء لا سياسيًا ولا اقتصاديًا ولا اجتماعيًا، فهو لا يتماثل مع السياسة الاجتماعية الاقتصادية لحزب العمل، التي من المفترض ان تكون عمالية ويسارية، لذلك لم يحافظ حزب العمل على مصوتيه التقليديين وكان من السهل عليهم التصويت لكاديما، أما الحرب العدوانية على غزة فلم تسعفه حتى في المناطق التي تتعرض لصواريخ القسام، لذلك لم يكن بجعبة باراك وحزب العمل تحت قيادته أي شيء يأتون به للناخب البسيط الذي سئم السياسة التقليدية التي أثبتت فشلها، ولا يمكن في هذه الأجواء السياسية أن يحرز باراك أي انجاز من خلال صمته كما فعل أثناء منافسته عمير بيرتس على رئاسة الحزب.
أمرٌ آخر يجب الالتفات إليه بخصوص باراك، هو تمسك القيادة العسكرية للجيش بباراك، وتسريب هذه الأقوال للصحافة لإظهار باراك على انه القائد العسكري الأمثل الوحيد الذي يمكنه تحمل مسؤولية الأعباء والأخطار القادمة، وواضح أن قيادة الجيش الإسرائيلي تحضّر الأجواء للقيام بخطوات عملية لمنع إيران من إكمال تخصيب اليورانيوم، وباعتقادي أن إعادة باراك لمنصب وزير الأمن في الحكومة القادمة أيًا كانت هو إشارة واضحة لقيام إسرائيل بخطوة عملية، من المؤكد أن باراك بدأ بالتحضير لها منذ بضعة أشهر، لذلك فان قيادة الجيش تعي أنه لن يكون من الممكن إكمال هذه الخطوات بدون باراك.

 

*ليبرمان .. صعود عائم*

كانت النتيجة التي حصل عليها حزب ليبرمان في الانتخابات السابقة مفاجئة، أما في الانتخابات الأخيرة فلم يكن حصوله على 15 مقعدًا أمرًا مفاجئًا، ومن المؤكد أن ليبرمان يعي أن تقدم حزبه الذي يعتمد على أصوات المهاجرين الروس بالأساس، يأتي بالتوازي مع سوء الأوضاع السياسية التي يروج ليبرمان لازديادها سوءًا، ويظهر للمواطن الإسرائيلي أن الأخطار المحدقة بإسرائيل تأتي من الداخل والخارج، وهو بذلك يعمق خطاب الخطر الذي يهدد إسرائيل، والوسواس الذي يراود الكثيرين بان هذا الكيان معرض للخطر وللزوال، فليبرمان يخاطب قوى اليمين الغير أيديولوجية، التي بمعظمها تعتبر أصوات عائمة تتقلب في كل معركة انتخابية حسب موجات الموضة الرائجة، وبما أننا في ظل أوضاع سياسية وعدوانية فمن الطبيعي أن تلتقي هذه الأصوات  مع الخطاب التحريضي الذي ينتهجه ليبرمان. أما لما بعد هذه الانتخابات فان صعود ليبرمان مرة أخرى أو المحافظة على قوته الحالية سيعتبر أمرًا مقلق ومثيرًا للقلق أكثر مما هو عليه اليوم بكثير.

 

*الاستعداد لحرب جديدة*

لن يكون من السهل تشكيل حكومة وحدة بين الليكود وكاديما، بسبب التعنت الذي يبديه نتنياهو بعدم التناوب على رئاسة الحكومة، كذلك فان نتنياهو لن يشكل أي حكومة بدون حزب شاس، لأن هذه الانتخابات جرت بفضل ايلي يشاي بعد ما افشل المفاوضات على تشكيل حكومة ليفني، بعد استقالة أولمرت. كذلك فان نتنياهو أبدى رغبته بدخول باراك الى الحكومة، ومن الواضح أن أجواء "الخطر النووي الإيراني" تطغى على تشكيل الحكومة، ومن المؤكد أن بيرس سيضغط على كل الأطراف من اجل مواجهة إيران في أقرب فرصة ممكنة، قبل دخول باراك أوباما إلى الساحة الدولية بقوة، خصوصًا وأنه منهمك في معالجة الأزمة الاقتصادية، كذلك قبل أن يبدأ بالتقليل من القوات الأمريكية في العراق، لذلك سيحاول بيرس إقناع كل الأطراف الممكنة إقامة حكومة عريضة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

هؤلاء اخوتي الذين لم تلدهم أمي

featured

أطفال العراق ..ضحايا سياسة الإحتلال الأمريكي وحلفائه

featured

وحدة الاستيطان الفاسدة

featured

حين لا ينفع الندم

featured

علاقة المنفعة المتبادلة بين الأيباك والإدارة الأمريكيّة وعلاقة الاستغلال للشعوب العربيّة

featured

واقع اليسار الفلسطيني ومستقبله