ثريُّ الأعراس

single
تعوّدنا في الماضي أن نستعمل مصطلح "ثريّ الحرب" لنعرّف به شخصًا اغتنى ماديًا بسبب الحرب، فجمع ماله من مآسي الناس الذين عادة ما يصابون بالهلع والخوف من الحرب وأهوالها فيدفعون الأموال الطائلة والأسعار الباهظة لقاء حاجات وخدمات ينتج عنها غنى وتكديس أموال عند تاجر معين فيقول عنه الناس "ثريّ حرب"!
المجتمع عادة لا يكن لمثل هذه الشخصيات أي اعتبار أو محبة أو احترام! كونه تجرد عن إنسانيته مقابل الأرباح والمادة!
هل نحن مقدمون على استعمال لغوي جديد مع مستهل موسم الأفراح القادم لهذه السنة 2012 هل سندخل إلى قاموسنا مصطلح "ثريّ الأعراس" أم ان النزعة الإنسانية ستتغلب وسنشهد سوية موسم أعراس عقلانيا هذه السنة؟ آمل ذلك.
لا ينكر احد ان الأوضاع الاقتصادية العالمية والشخصية تسير من سيئ إلى أسوأ، ولا ينكر احد كذلك ان دائرة المعارف والعلاقات الشخصية تتسع بفعل تطور وسائل الإعلام والعلاقات الاجتماعية. وبسبب هذه المستجدات يتطلب منا الأمر ان نفكر مرات ومرات بالطريقة التي تجعل مناسباتنا السعيدة سعيدة فعلا ومبعثًا للراحة والطمأنينة والغبطة كما يراد لها منذ ان خططنا لها ورسمناها!!
فالأفراح أمانٍ حلمنا بها وتحضرنا لها نفسيًا فنحن نستجيب تلقائيًا لأية دعوة من صديق "إنشا الله في الأفراح" ولكن بعد ان نفحص ما حل بنا نتيجة هذه "الأفراح" نغضب على أنفسنا ونتمنى لو ان هذه "الأفراح" ما حصلت لان ما يجري فيها من تجاوزات نصنعها بأيدينا لا يقبلها منطق ولا عقل!! فمن غير المعقول ان نتابع تخطيطنا السابق ونتجاهل حقيقة الأوضاع التي نعيشها. هذا الأمر ينسحب على صاحب العرس وعلى تجار الأعراس بنفس المقدار.
فعلى صاحب العرس ان يفصِّل عرسه بقدر طاقته المادية وعلى تجار الأعراس ان يتقوا الله في أسعارهم. دعونا نورد أمثلة فيها صحة أقوالنا:
1. قاعة الأعراس: لا اعتقد ان كل فرح يجب ان يكون في قاعة وعلى رأسها سهرة العروس!! وحسابات القاعة يجب ان تأخذ في الحسبان ان الوجبة الفاخرة بمفردها في المطعم العادي تصل حتى مائة شاقل فما بال الأسعار تستمر بنفس التكلفة بينما الطلب يكون لخمسمائة وجبة!! أين تنزيلات الكمية في كل تجارة!!!
2. صالون العروس: هل من المعقول ان تتكلف العروس مبلغ خمسة آلاف شاقل فما فوق على تسريحة وتوابعها وفستان سهرة ليلة واحدة.
3. المسرح والكراسي والبرادات والمظلة: يحتاجها صاحب العرس ليوم أو يومين على الأكثر، ألأجل هذا تكلف حوالي ستة آلاف شاقل أو اكثر اجرة لصاحبها.
4. التصوير: تبييض الصورة يكلف شاقلا أو اثنين. كاسيت الفيديو يصل في أقصاه إلى 10 شواقل والبوم الصور الجيد لا يتعدى مائتي شاقل.. هل يعقل ان يدفع صديقي 18000 شاقل لمصور الفيديو لقاء تصوير عرسه!!
5. المطرب والفرقة الموسيقية والاسطوانات: سهرة ليلة واحدة تبدأ من التاسعة مساءً حتى الواحدة بعد منتصف الليل.. هل فعلا تستحق عشرة آلاف شاقل أو أكثر وقد تدفع هذه الأجرة مسبقًا!!
6. الوجبة الرئيسية في البيت: هل تستحق تكلفة باهظة كما يتم جبايتها اليوم!! ألا تعلمون ان كيلو غرام لحم عبور صغير تصل إلى 90 شاقلا وان زجاجة المشروبات الخفيفة لا تتعدى شاقلين وكيلو الرز 3 شواقل. أليس كفرًا ان نتكلف 30 إلى 40 ألف شاقل لقاء وجبة على لحم مجفف ومشروبات وحلويات تصل أرباحها إلى ثلاثة أضعاف فما فوق!!
7. البدلات والفساتين: وعن هذه الناحية حدث ولا حرج فالاستئجار ليلة واحدة يكلف 3 آلاف شاقل والتفصيل يتعدى ذلك وتجارة الجملة لا تلعب دورًا هنا، فالتاجر يجبي من العروس وأخواتها ومن أم العريس وبناتها سعر الفساتين لثلاث ليال لأن "الموضة" تقتضي تغيير الملابس كل ليلة!!
نكتفي بهذه الأمثلة التي لم توصلنا بعد إلى عُزّام العريس ومصروفات التعاليل والمزين وبدلات العريس وأهله والشموع والمفرقعات والدفوف لتجلاية العروس...
حقيقة هي، اننا مقدمون على موسم ملتهب يتطلب منا ان نفكر مليًا بكل ما نفعله، فلنختصر ونختزل متطلباتنا ولنحدد الأسعار مسبقًا مع كل تاجر، وليس عيبًا ان نسأل أكثر من شخص حول أي خدمة نحتاجها، وليتذكر الجميع ان النقوط لا يكفي مصاريف أم العروس، أما وقد رغبت في ذلك فلتعلم ان ابنتها ستقضي أشهرًا تتحسر على أيام زمان يوم كان بالإمكان العيش بأي مبلغ مالي بسعادة وهناء.
أما تجار الأعراس فمهما ربحوا فلن يصلوا إلى القناعة لان الجشع طبع إنساني ولذا أجدر بهم ان يروا في راحة ضمائرهم كنز قناعتهم، وليطلبوا أسعارًا يمكن سدادها فليس المدين بهادئ البال ولا صاحب الدين فكلاهما يصطليان بنار الفائدة البنكية التي تحرق رأسمالهم وأرباحهم على حد سواء.
قد يهمّكم أيضا..
featured

بين المروءة والمراءاة

featured

الدين السياسي...والمشروع القومي

featured

العنف ضد النساء، خيوط متعددة للجريمة

featured

اللعبة الآسيوية الكبرى

featured

إسقاط الحكومة لصدّ مغامرات الحرب!

featured

رجال ونساء من فلسطين: صبحي ياسين

featured

نحو اعادة تعريف دور الشتات في النضال الوطني الفلسطيني