الشيوعي "الكوّا" الذي أحبه الناس، مخلصًا لطريقه الكفاحي

single

لم أعرفه من قبل، ولم ألتقيه الا في صفوف الحزب الشيوعي، كان حاضرًا ومشاركًا وفاعلا في نشاطات الحزب ومؤتمراته القطرية والمنطقية كافة، كان مناضلا صُلبًا لا يلين ، دمث الأخلاق، شهمًا، متواضعًا إلى أقصى الحدود، صاحب مزايا ونكتة حيث كان إذا تحدث اضحك جميع من حوله، عصبيته قصيرة، صبره طويل. انه الرفيق والإنسان الشيوعي الهادئ والثائر في آن واحد طيب الذكر المرحوم أبو عيسى موسى سليمان مرعب، الذي رحل عن ساحات النضال ومقارعة حكام البلاد وكل الظالمين قبل أربعين يومًا تقريبًا.
وأبو عيسى موسى سليمان مرعب، من مواليد 1928 في قرية الرامة الجليلية، تنقل في حياته ونشأته حتى مماته ورحيله ما بين الرامة وحيفا وعكا وأبو سنان بحثًا عن لقمة العيش والاستقرار ما بين المدينة والقرية، وفي سفراته وتنقلاته غدًا أبو عيسى يعي جيدًا الأوضاع السياسية والهجرة اليهودية إلى فلسطين واحتلال الأرض والوطن وأماكن العمل. في حيفا تعرف على جريدة الاتحاد وأعجب بها خير إعجاب على ما تكتب من حقائق في وصف الأوضاع الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني في تلك الفترة العصيبة من تاريخه وحياته. تمسك الرفيق موسى مرعب بالاتحاد كجريدة وموقف ومنبر سياسي واضح نشيطًا ووطنيًا صادقًا يشارك في الفعاليات السياسية والجماهيرية كافة، إلى ان قدم طلب الانتساب للحزب الشيوعي فرع حيفا وكان ذلك سنة 1946 في منطقة وادي النسناس. وانضم فورًا إلى خلية طيب الذكر المرحوم جورج طوبي، أي بعد سنتين من صدور صحيفة الاتحاد 14/5/1944 واخذ أبو عيسى ينشط ويشارك بفاعلية في النشاطات كافة، ويتعلم ويثقف نفسه مما يقرأه في جريدة الحزب الاتحاد، وما يسمعه من بيانات ومحاضرات سياسية وفكرية. وكانت الأحداث في تلك الفترة تعبق بالمفاجآت وتلقي على عاتق الشيوعيين مسؤولية كبيرة وجسيمة جدًا في كيفية إفشال المؤامرة الاستعمارية الصهيونية الرجعية والدفاع عن الشعب للحيلولة دون تنفيذ سياسة اغتصاب الوطن وترحيل الشعب.
ضاقت به الحياة في حيفا، بعدما شاهد بأم عينيه طوابير النازحين والمشردين من حيفا وقراها، عبر البواخر والسفن وهي تحمل الناس والشعب في رحلة اللاعودة وإفراغ الوطن من أصحابه، فما كان من الرفيق موسى مرعب الا الرحيل والاستقرار في مدينة عكا بعد الجلاء عن حيفا، كان ذلك  بعد قيام وغداة إعلان الدولة وبسط سلطانها على كامل فلسطين بما فيها تلك القطعة أو الجزء المخصص حسب قرار التقسيم للدولة الفلسطينية سنة 1947 بإقامة دولتين للشعبين في فلسطين.
في عكا واصل الرفيق أبو عيسى نشاطه الحزبي والسياسي وبطلب من قيادة الحزب في العمل بين جمهور واسع من الناس بعد ان امتلأت المدينة بطوابير اللاجئين والمشردين بعد ان احتلت القوات والعصابات الصهيونية الجليل بأكمله وسقطت حيفا وغيرها. وبالرغم من قلة إمكانيات موسى مرعب المعيشية، الا انه نشط بشكل مباشر قدر استطاعته في مساعدة الناس وتقديم كل ما يلزم لهم لمواصلة حياتهم الطبيعية. وواصل نشاطه التنظيمي من خلال عضويته مجددًا وقبوله في خلية طيب الذكر الرفيق رمزي خوري. فكان ينشط يوميًا يوزع المنشورات والاتحاد بطريقته السرية لدرجة انه لم يعتقل ولا مرة، فكان حريصًا وأمينًا وذا حدس لكل شاردة وواردة، فكان يتجنب أعين الفاسدين والعملاء والمتعاونين من أعوان الحكم العسكري مما جعله يقوم بخدمات وأعمال يعجز العشرات عن القيام بها، ولكي يواصل عطائه السياسي والحزبي، اختار لنفسه مهنة طالما أحبها كثيرًا وهي ان افتتح لنفسه محلا أو دكانا لغسل وكي الملابس، وكان محله في وسط المدينة القديمة، وعلى مرأى من تحركات الناس، ولهذا تحول دكانه لغسل وكي الملابس إلى مقر لترتيب وتنسيق نشاطات الخلية والفرع، ومركز يومي للالتقاء مع الناس والتحدث إليهم عن هموم المجتمع والاستماع إلى قضاياهم المعيشية ومعاناتهم وتنقلاتهم بعد ان اخذ الحكم العسكري يتحكم في مستقبل ومعيشة وتفكير كل من بقي في الوطن.
في أزقة عكا القديمة، وبين مختلف حاراتها، وعلى جدران أسوارها، التي هزمت المستعمرين وحطمت آمال وجبروت نابليون بونابرت من ان يدنسها، كان للرفيق طيب الذكر أبو عيسى موسى سليمان مرعب، ذكريات تفاعلت ما بين النشاط السياسي والاجتماعي والشخصي، أحب عكا ببحرها وسورها وناسها وعلى مدار أكثر من 50 عامًا ارتبط أبو عيسى ارتباطا وثيقا مع الناس والأهالي فقد احترموه واحترمهم، فكان الكوّا الوحيد وأطلقوا عليه الكوا الشيوعي أو الأحمر. كثيرة هي الصفات والميزات التي كان يتمتع بها الرفيق موسى مرعب، كان إنسانا متواضعا إلى أقصى الحدود فقير الحال والمال، لكن كان غني الفكر والوعي مشبعًا بالوطنية والشيوعية والإخلاص والأخلاق الفاضلة، كريم النفس. لم يهاون ولم يساوم وكان وفيًا لطريقه التي آمن بها وناضل من اجل تحقيقها، وعندما اخذ على عاتقه فتح نادي الأخوة للحزب يوميًا في عكا القديمة، كان يقول أحب إلى صدري وقلبي، هو فتح واستقبال الشباب والناس، وأنا أراهم يغرفون من ينبوع هذا الحزب الذي لا ينضب، ولذلك  ربى أبو عيسى أبناءه عيسى وسهيل وفكتوريا على حب الحزب والناس، كان يقول دائمًا ان كنزي اكبر من كنز أصحاب الملايين من الرأسماليين، الا وهو محبتي وعلاقاتي مع الناس فهي اكبر رأسمال بالنسبة لي.
أما الرفيق سهيل موسى مرعب وأولاده فيقول سنستمر على نهج والدي وسنصون طريقه ونحفظ مكانته. لقد زرع والدي منذ سنوات عديدة  وعبد الطريق أمامي كي أكون واحمل الراية الحمراء راية النضال التي لم ينكسها والدي في يوم من الأيام، وهي أنني وأولادي وزوجتي نلتزم كل صباح بتوزيع جريدة الاتحاد على مئات المشتركين والقراء في أبو سنان وكفرياسيف منذ أكثر من عشرين عامًا. وكان قد بدأ التوزيع في عكا القديمة والجديدة، اننا وأولادي فخورون بطريق والدي/وجدنا موسى وقد ورّثنا والدي/جدنا مهمة توزيع الاتحاد منذ أكثر من 40 عامًا. كان يقول دائمًا ان توزيع الجريدة مرتين في الأسبوع وفيما بعد يوميًا وفي ساعات الصباح، هو ليس رياضة فقط وإنما رياضة ثقافية ونقطة اللقاء مع الناس وهذا أهم شيء بالنسبة للإنسان الشيوعي.
إن رحيل الرفيق أبو عيسى موسى سليمان مرعب من الدنيا، شكل ضربة لأولاده وأحفاده، ومن ثم للحزب الشيوعي في عكا وأبو سنان وعامة، لقد خسرنا رفيقًا متفانيًا مخلصًا قادرًا، جمع بكل معنى الكلمة بين المثل والمبادئ والقناعة بصدق الطريق، كرد على الحالة المعيشة المتردية، فمن أوضاع الفقر وشح الإمكانيات، خرج الرفيق موسى مرعب مناضلا شهمًا صاحب اكبر واشمل المبادئ الإنسانية على الإطلاق كرس حياته وضحى وقدم الكثير من اجل انتصار نظرية الفقر والجوع كي لا يبقى في هذا الكون إنسان جائع وفقير.
أيها الرفيق الخالد بيننا أبو عيسى مرعب، نم نومتك الأبدية، سنكمل الطريق من بعدك. أنت لم ترعب أحدًا. لكنك كنت تشكل الخطر الأكبر في صمتك وصدقك وكفاحك الذي لا يلين، كنت ترعب أعداءك السياسيين، كنت تنتقم على امتداد مسيرتك الحافلة لاخوتك في الإنسانية.



(كويكات/أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

السؤال المحوري الغائب

featured

الأيدي النّظيفة

featured

الحجر الذي القي في الماء الراكد

featured

"من يزرع الريح يحصد العاصفة"

featured

عام المتغيرات العاصفة

featured

الجماهير العربية والقائمة المشتركة

featured

المصالحة والممالحة قبل الزيارة

featured

الغزيّ الساخر