وفي أوائل سنة 1948 قرّ قرار القيادة العربية العليا في دمشق إرسال مبعوث من الحكومة السورية إلى جبل العرب (جبل الدروز) ليستنهض همم الرجال ووطنيتهم ليتطوعوا إلى جانب إخوتهم الفلسطينيين في معركتهم للدفاع عنها... وقد ألقى مبعوث الحكومة السورية على ضابط في الجيش السوري النظامي يدعى شكيب وهّاب (من أصل لبناني) مهمة تجنيد حوالي 500 متطوع درزي، من خارج الجيش السوري، ووصل تعداد الفرقة الدرزية التي شكلها، وبعد أن انضم إليها من انضم من أهالي البلاد، حوالي 850 جنديا معظمهم غير مدربين عسكريا ولا يعرفون فنون الحرب والقتال... وان كان لدى البعض منهم بعض الخبرة فإنهم اكتسبوها من خلال حرب العصابات التي شنوها ضد الفرنسيين إبّان الثورة السورية... وقد زودهم بالسلاح والذخيرة وكانت بمعظمها بندقيات قديمة فرنسية الصنع وبعض الرشاشات وتقرر إرسالها إلى مدينة شفاعمرو...
وبتاريخ 28/3/1948 انطلق أفراد هذه الفرقة قادمين من سوريا عبر مدينة القنيطرة ثم عبروا الحدود السورية ليدخلوا فلسطين عن طريق جسر بنات يعقوب ومنها إلى مدينة شفاعمرو عن طريق صفد – الرامة – عكا لتعسكر هذه الفرقة فيها وتتولى "قيادة العمليات" وخصوصا بعد رحيل القائد العراقي عبد الحق العزاوي المفاجئ وفرقته عنها (وقد أورد بعض المؤرخين والباحثين بعض الأسباب لرحيله عن شفاعمرو ولكنها تبدو غير مقنعة قي نظرنا)، وقد يكون انسحابه بناء على أوامر تلقاها من قيادته!!... ولكن مهما كان السبب فقد ترك وراءه فراغا أمنيا لا يصح بقاؤه في مثل تلك الظروف الحرجة التي كانت سائدة في البلاد ولا يجوز ترك مدينة كهذه تقع في خط المواجهة بلا حماية وبلا حامية للدفاع عنها!!...
وتجري الاتصالات مع مختلف الجهات في البلدة بعد أن علموا بموعد قدوم هذه الكتيبة ويتم الإعداد والترتيب لاستقبال هذه القوات "الظافرة" إلى شفاعمرو كما يليق بالجيوش الوطنية المخلصة!!... وتجري مشاورات تؤدي في نهايتها إلى وجوب السفر إلى الرامة في وفد كبير من أبناء شفاعمرو ورجالاتها، وعلى رأسهم رئيس وأعضاء اللجنة القومية، لاستقبال هذه الجيوش، التي دخلت فلسطين قادمة من سوريا عن طريق القنيطرة ومن ثم إلى صفد، محطتها الأولى في فلسطين، وتقرر ملاقاتها واستقبالها على مفرق الرامة - صفد (عين الصرار) ثم السفر وإياها لدخول المدينة معا...
وعند وصول وفد شفاعمرو إلى قرية الرامة كان في انتظارهم جماهير غفيرة من أهل الرامة الكرام والعديد من رجالاتها ووجهائها أذكر منهم الخوري يعقوب الحنا، وكان أحد الرجالات الوطنيين المخلصين، ومعه لفيف من رجالات البلدة أمثال الياس الشكري والمقدم محمد قاسم الحسين (والد شاعرنا الكبير الأخ والصديق سميح القاسم) والسيد الياس نخلة والمشايخ صالح الفرّاج وسلمان الداغر وأبو قاسم محاسن المحمد وشحادة فياض والشيخ قاسم فرهود، وليعذرني القارئ الكريم إن كنت لا أذكر أسماء جميع السادة المحترمين الحاضرين والذين رحبوا بمقدمهم، وأخذوا ينتظرون وإيّاهم على طريق عكا - صفد وصول هذه الكتيبة العربية القادمة من سوريا... وما أن أطلت طلائع الشاحنات (الباصات) السورية التي كانت تقلهم (وكانت مطلية بالألوان الزاهية وتحمل بعض الاقوال المأثورة مثل "سيري فعين الله ترعاك" و "راجعة بإذن الله" حتى هرع المئات من سكان الرامة ولربما غيرهم من سكان القرى المجاورة لملاقاتهم ويترجل قائدهم للسلام على جموع المستقبلين ويصر الخوري يعقوب، المعروف بكرمه الحاتمي، على دعوة الكتيبة بأسرها لتناول الطعام على مائدته!!.. وعبثا يحاول هذا القائد ووالدي ومن معه أن يعتذر عن قبول الدعوة ويثنيه عن عزمه إذ كيف يتمكن إنسان واحد من إطعام جيش بكامله وهذا أمر نادر الوجود ولكن هذا الرجل يصر على دعوته ويلح عليهم قبولها!!...
ومن جملة ما سمعته عن هذا الرجل أن أديب الشيشكلي، الذي كان في ذلك الوقت قائدا للقوات السورية المرابطة في شمال فلسطين والتي اتخذت مدينة صفد مقرا لها، والتي كانت تضم القرى المجاورة مثل ترشيحا ومعليا والرامة وغيرها، كان يكنّ له عظيم الاحترام وعندما غادر البلاد عام 1948 إلى دمشق مع من غادر من سكان البلاد، بعد أن احتلت القوات اليهودية قرية الرامة قيل ان أديب الشيشكلي هذا عندما أصبح رئيسا لجمهورية سوريا قد أجرى استقبالا رسميا لهذا الرجل وأكرمه أيّما إكرام نظرا لوطنيته الصادقة...
وعلى ذكر الرامة لا بد لي أن أذكر هنا أنه كان في مقدمة المستقبلين (وقد كانوا كثرا) الوجيه والمصلح الاجتماعي الكبير الشيخ أبو عبدالله جميل نخلة، صديق والدي الحميم، وما له من أياد بيضاء في إصلاح ذات البين بين الناس وما له من باع طويلة في هذا المضمار وقد حباه الله عقلا راجحًا قضى حياته في عمل الخير لوجه الله تعالى بالإضافة لما اتصف به من صفات حميدة ونبل وأخلاق سامية وجود وكرم، وكان لنزاهته وعدالته يدعى وبحق شيخ المصلحين في فلسطين والجليل وقد كان والدي يعتز بصداقته كثيرا...
ويدخل شكيب بك وهّاب مع خمسمائة رجل من رجاله الأشداء، والحق يقال، إلى شفاعمرو في مساء ذلك اليوم يصحبهم الوفد المرافق له... وخرج أهل البلدة في ذلك اليوم عن بكرة أبيهم لمشاهدة هذه الأرتال عند دخولها البلدة وقد أشرعت بنادقها وأخذت تطلق رصاصها في الهواء فرحا وابتهاجا وتطلق الأهازيج الحماسية باللهجة السورية (المحوربة) التي هزت المشاعر من الأعماق فكان يوما مشهودا من أيام شفاعمرو الغراء!!...
كان شكيب وهّاب، قائد هذه القوات، أحد القواد الذين حاربوا الفرنسيين في سنوات العشرين مع أبطال بني معروف أيام الثورة العربية في سوريا بقيادة الزعيم الكبير سلطان باشا الأطرش... فكانت حربا أبلى فيها الأبطال العرب البلاء الحسن... كان هؤلاء الجنود الشجعان من أبناء جبل العرب مواطنين سوريين يعرفون أرضهم وعلى أية جهة منها يقفون ثم كانوا يدافعون عن بلادهم وأهلهم وشعبهم وقضيتهم الوطنية ليجدوا أنفسهم فجأة وبعد ما يزيد عن العشرين عاما من القتال ضد الفرنسيين يحملون نفس السلاح القديم الذي استعملوه في ذلك الوقت، والذي لا يتعدى بنادق ورشاشات فرنسية قديمة، يدخلون بلادا لا يعرفونها ويزج بهم في معركة ليدافعوا عن قضية لم يسمعوا بها من قبل أو قل لا يدركون كنهها على الأقل ويحاربون ويقفون على أرض غريبة يجهلونها...
وانبرى الأهالي، تدفعهم حميتهم وأريحيتهم يتنافسون فيمن يأخذ أكبر عدد من الجنود ليستضيفه في بيته حسب ما كان متفقا عليه في خطة "إيواء" الجنود!!... إذ لم يكن لهذه القوات لا ثكنات عسكرية يأوون إليها "ولا هم يحزنون" وقد جاؤوا في البداية بلا إمدادات يعتمدون عليها سوى اتكالهم على الأهالي لإعالتهم!!... وفي هذا الصدد يقول والدي: "إن الزعلان من أهل البلدة كان أكثر من الراضي"!!... تقاتلوا فيما بينهم فمنهم من قال انه سيستضيف ثلاثة جنود وقال بعضهم أربعة ليجدوا في النهاية أن قائمة أهل الكرم والجود أكبر من أن تجد لها ما يعبئها من الجنود... وعاد كل رب عائلة بضيوفه الكرام معززين مكرمين ينزلون في بيته على الرحب والسعة وهذا كان أقل الواجب تجاه من "حمل دمه على كفه" وجاء ليحارب عنا وفي سبيلنا وفي سبيل الدفاع عن أرضنا ووطننا وعيالنا وشرفنا... كان شعور الأهالي هذا شعورا صادقا مخلصا حقيقيا... ومرّت الأيام والأسابيع والجنود يرتعون في سعة من العيش وفيض من الكرم وحفاوة الاستقبال وحسن اللقاء ولكن أنّى لهذه العائلات، التي كانت بمعظمها عديمة الدخل، أن تتحمل إعالة هذا العدد من الرجال (جيش!!) والمال المدّخر أخذ يتناقص شيئا فشيئا ولا عمل يقوم به الناس في تلك الأيام ليكسبوا قوت عيالهم بعد أن توقفت الأعمال وشلت الحركة في البلاد... حسبوها ضيافة قصيرة الأمد فإذا بها "إقامة دائمة" تتطلب تزويد المأكل والمشرب لهؤلاء الجنود على مدى الأيام والقرش الأبيض الذي أعدوه لليوم الأسود أخذ ينفد... فبدأ الضيق والضنك يخيم على وجوه الكثيرين وبدأ العد التنازلي وأخذ عدد الجنود "الضيوف" يتناقص من أربعة إلى ثلاثة إلى واحد فلا شيء والقليل القليل من أهل البلدة تمكن من الحفاظ على "ضيوفه" حتى آخر الشوط... هكذا كان يتم الدفاع عن فلسطين (الوطن) بصورة عشوائية وفوضوية على أيدي بعض المتطوعين الغرباء البسطاء (فرق متفرقة لا يربط بينها رابط) وبدون تدريب وبدون تجهيز وليس هناك من يطعمهم وليس هناك من يرعاهم ولا يتبعون جيشا منظما له قيادة موحدة!!... مقابل ما أعد له اليهود طيلة ثلاثين عاما أو أكثر (مدة بقاء الانتداب البريطاني) من إعداد عسكري وتنظيم جيد وتكثيف الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين طيلة سنوات الحرب العالمية الثانية وما بعدها مستغلين الاضطهاد النازي ومستدرين عطف العالم عليهم واستجلاب "القادمين الجدد" بأعداد كبيرة وتجنيد الشباب منهم انتظارا لهذه اللحظة... وربما تكون هذه عينة أخرى من عينات النكبة!!...
كنا نراقب ونحن أطفال تدريبات هؤلاء الجنود في الساحات العامة (داخل البلدة!!) فيلذ لنا سماع الضباط يلقون أوامرهم باللهجة السورية وانبطاح الجنود على الأرض وكم من القنابل التي كانوا يتمنطقون بها انفجرت من جراء هذه التدريبات البدائية ليذهب ضحيتها جنود أبرياء لربما بكتهم أمهاتهم وزوجاتهم سنين طويلة!!... فكانت بعض التدريبات تجري في أديم الليل وكانت تلك البنادق الفرنسية الطويلة المصنوعة من قبل الحرب العالمية الأولى والتي غنمها أولئك الأبطال في حربهم ضد الفرنسيين، تخرج لهيبا ساطعا عند إطلاقها الرصاص "فيضيء" ما حوله بلون أحمر كنا ونحن أطفال نفرح لرؤيته كثيرا ونعتقد ساذجين أن هذه هي أعظم البنادق في العالم التي تخرج مثل هذا اللهب إلى أن "همس" في آذاننا أحد الرجال العارفين الواعين، وما أقلهم في تلك الأيام، ليقول لنا بل بالعكس إن هذه البنادق مصيبة على حامليها لأنها تضيء للعدو مصدر النار فيصوب سلاحه على هذا الهدف الساطع ليرديه قتيلا، ويتركنا هذا الرجل ونحن في حيرة من أمرنا!!...
ويقضي شكيب وهّاب أيامه الأولى في شفاعمرو يتداول الأمور مع والدي ومع الكثيرين غيره من زعماء هذه البلدة وقادتها الذين التفوا حوله ولم يتركوه لحظة واحدة، ووضعوا كل إمكانياتهم (المتواضعة) تحت تصرفه وتفانوا في تلبية طلباته وتحقيق رغباته صابرين كما يصبر المؤمن الحقيقي على شظف العيش وسوء الحال متكلين على الله وعليه وآملين بالخلاص عن يده!!...
كل هذا وإيمان هذا الشعب ثابت لا يتزحزح... تمرّ عليهم كل هذه الأحداث المأساوية وكثير غيرها ولا يملكون تغييرا لها ولا تأثيرا عليها ورغم ذلك لا سبيل إلى ترك مواقعهم ومواقفهم وما كان أمامهم سوى أن يصمدوا ويحملوا قدرهم على أكتافهم ويتحلوا بالصبر والشجاعة...
(شفاعمرو)
