"قائمة المهددين" كانت الهدية الأولى التي تلقتها جماهيرنا العربية مع مطلع العام الجديد. تضمنت هذه القائمة، وفقاً لما جاء في الأنباء، أسماءَ عدد من رؤساء المدن والقرى العربية، الذين يعيشون تحت التهديد المتواصل، مما استلزم تحذيرهم من قبل الشرطة وإرشادهم ليتخذوا وسائل الحيطة والحذر واتباع جملة من التعليمات التي من شأنها أن تقيهم شر ما وصلوا إليه من حالة وتضمن سلامتهم وهذا ما نتمناه.
قبل نشر هذا النبأ وفي كل حالة اعتداء مباشر، كما حصل في الناصرة وساجور وغيرها، تعالت أصوات محقة واتهمت الشرطة الإسرائيلية بالتقاعس. وبعضها، وهو محق أيضاً، وصل إلى حد اتهام شرطة إسرائيل بكونها شريكة ومعنية بما يحصل وإلا كيف تفسر هذه إخفاقها بالكشف، ولو بحالة واحدة، عن الجناة رغم هذا العدد الكبير من الاعتداءات الخطيرة؟.
على الشرطة تقع المسؤولية الأولى في ملاحقة هؤلاء الجناة والكشف عنهم واتخاذ كافة الإجراءات القضائية اللازمة لمعاقبتهم وردع الآخرين. لا يوجد مبرر لهذه الإخفاقات ولن يكون ادعاء بعض قادة هذا الجهاز بضيق الحال وشح المصادر والقوى البشرية وما إلى ذلك، مبرراً مقبولاً، لا سيما ونحن نعرف ونعيش سطوة ممارسات أفراد هذا الجهاز عندما يكون الأمر متعلقاً بهدم بيت عربي مثلاً أو بالتصدي إلى مظاهرة أو مسيرة عربية، والشواهد على ذلك كثيرة.
وبالطبع لا يمكن إلا أن نستهجن كيف تخفق الشرطة بالكشف عن الجناة في هذه الأحداث بينما أفلحت وببراعة خلال يوم واحد بالكشف عن من اعتدى بالسلاح على الرئيس اليهودي للجنة المحلية المعينة في طرعان وخلال أيام قدمت لائحة الاتهام بحقه.
حفظ الأمن العام وسلامة الجمهور هو من أهم أهداف عمل جهاز الشرطة في الدولة الحديثة وأخطر ما يحدث من نتائج، عندما تخفق هذه بإحراز هذه الأهداف، هو فقدان ثقة المواطن بهذا الجهاز، فما بالك إن ساد شعور بأن الشرطة متواطئة مع ما يحدث ومعنية بإغراق مجتمعنا في مستنقع العنف والاقتتال الداخلي؟
تاريخ ما عانته هذه الجماهير من ممارسات قوى الأمن الإسرائيلية، ومن ضمنها جهاز الشرطة، يبرر فقدان ثقتها بهذا الجهاز، فعصارة هذه التجربة أبقت هذه الجماهير طرائد تتلقى عصي وقنابل الغاز، وأحيانا رصاص قوى الأمن هذه، فهي، اعتبرت أن هذه الجماهير، شكلت وما زالت تهديداً أمنياً على الدولة، مما أدى بالأجهزة الأمنية إلى إغفال ما يحدث من جرائم وتعديات في داخل المجتمع وأحياناً تعمد لإحداث الفتن والفوضى!
باعتقادي أن الشعور السائد وإن كان مبرراً، كما وضح أعلاه، يضر بالنهاية بمصالحنا وحياتنا ولذلك تغيير هذا الوضع، بشكل أساسي وجوهري، يجب أن يكون في طليعة ما نصبو إليه ونحققه، ولذا على قياداتنا الشعبية والجماهيرية أن تتدارس خطورة هذا الوضع وتسعى لوضع خطة شاملة مسؤولة لتغييره. هذا يتطلب أولاً تذويتاً لحقيقة كوننا الضحية المستهدفة، وثانياً تصميماً على مجابهة هذه المخاطر، وهذا يستلزم وجود استعداد مبدئي لفتح حوار مع أصحاب القرار في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية خاصة في جهاز الشرطة، محاولين قلب المعادلة السائدة، عسى أن يؤدي ذلك إلى بناء ما يتوجب أن يكون من ثقة سليمة بين جهاز مؤتمن على سلامة الجمهور وقيادات من شأنها أن تخدم مصالح هذا الجمهور وتحافظ على سلامته. على قياداتنا أن لا توفر جهداً في هذه المسألة، فهذا واجبها، وأن تحاول إنجاح هذه العملية، على الرغم من أنني أعي وأقدر أن احتمالات قبول الطرف الإسرائيلي لهذا هي احتمالات ضعيفة، مع أن المتضرر بالنهاية هو المجتمع الإسرائيلي ككل، حتى وإن كنا أول من يدفع الثمن وأول من يعاني مما هو سائد ومتفاقم.
لا تكتمل الصورة ولا يصح التشخيص إن اكتفينا بوضع اللوم على الحكومة وسياساتها، فتجنب البعض منا وإهماله للعديد من مظاهر الفساد وسوء الإدارة في مجالسنا البلدية والمحلية من شأنه أن يفاقم السوء سوءاً، فبعض العنف وتجلياته مبعثه بسوء هذه الإدارات وممارساتها السلبية.
فرئيس ينتخب على ظهر صفقات انتخابية مشبوهة ويمارس بعدئذٍ رئاسته وتبقى هذه الصفقات نيراً في رقبة هذا الرئيس تحوله عاجزاً عن الوقوف في وجه تلك الظواهر السلبية التي تنهش أجساد قرانا وتقض مضاجع أهالينا.
ورئيس استعان بحاشية من البلطجية قبل وخلال معركته الانتخابية لا يحق له أن يشكو البلطجية العابثة في شوارع بلدته والمعتدية على حرمات بيوتها وساكنيها.
ورئيس يمارس سياسة المحسوبيات والتفرقة "العنصرية" ضد أبناء البلدة الواحدة، عنده قوم من المحظيين المنتفعين على حساب الصالح العام، وقوم من البؤساء المقهورين، لا يستطيع أن يدعي جدية عندما يقارع سياسة شرطة عنصرية.
ورئيس يعبث في إدارته وموارد مجلسه ويفصل خوارط البلدة ضامناً ضم أرض فلان من رجالاته لمسطح القرية وإغناء هذا على حساب المصلحة العامة ومقتضيات التخطيط السليم، باطشاً بآخر غير معدود على معسكره، لا يستطيع أن يتحدى بأهلية بيكار ومسطرة لجان التنظيم المحلية واللوائية، حينما تبطش هذه بمسطحات قرانا لحساب تلك المنطرة أو الكيبوتس.
ورئيس يقسم راتبه الشهري على بعض من نوابه أو القائمين بأعماله أو رؤساء كتل تدعمه في ائتلافه ويدفع لهم فتاتاً من وراء الكواليس ليشتري دعمهم وصمتهم. علماً بأن القاصي والداني يعرف بهذا، لا يستطيع أن يستهجن صمت وتواطؤ الشرطة ففي النهاية هذه هي الشرطة ذاتها، التي تغض الطرف عما تقترفه يمناه وتمارسه يسراه. وكأني بقائد هذه المحطة أو تلك ينظر بعيني هذا الرئيس ولسان حالة يقول "لقد دفناه سوياً"!
الدولة والشرطة مسؤولتان في البداية والنهاية وعليهما أن تؤمنان أمن وسلامة المواطن والمجتمع، وهما لا يفعلان ذلك تقصيراً أو عمداً والحال سواء. الثقة لدى الجماهير العربية في جهاز الشرطة مهزوزة وهنالك ما يبرر ذلك. إعادة وتأهيل هذه العلاقة واجب يقع على الدولة والشرطة أولاً، لكننا يجب أن نكون معنيين بذلك أيضاً وعلينا مهمة المحاولة في هذا الاتجاه. إسرائيل والشرطة لن تندفعا لترميم هذه العلاقة وتحسينها طواعية، لكن هذا لا يعفينا من المحاولة الجادة والمسؤولة وهنا يبقى السؤال هل يستطيع كفنا بما اعتراه من صدئ الفساد أن يلاطم مخرزهم الصدئ؟
