"قراءة أوباما: الأحلام والأمل والتقاليد السياسية الأميركية" * جيمس تي. كلوبينبيرج * دار "برينستون يونيفرستي برس"، 2010
تأثر أوباما أيضًا بفيلسوف القوة الألماني نيتشه و"راينولد نيبور" الذي كتب عن معاناة العمال في مصانع السيارات الكبرى إبان الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي
في كتابه الذي نعرضه هنا، "قراءة أوباما... الأحلام والأمل والتقاليد السياسية الأميركية"، يقدم لنا "جيمس كلوبينبيرج"، وهو أحد كبار المؤرخين والمثقفين الأميركيين المعاصرين، إضاءة كاشفة للتكوين الفكري للرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأميركية، باراك أوباما، وذلك بفحص دقيق للأفكار التي تحركه واهتمامه، كرجل أكاديمي في الأصل، بحركة الإحياء الفلسفي للمذهب البراجماتي، وبالصعود المتنامي للأفكار الجمهورية في السنوات الأخيرة، وتأثير ذلك على توجهاته وسياساته المختلفة. ويقول المؤلف إن أوباما ليس خطيبًا مفوهًا فحسب، كما يقول كثير من منتقديه الجمهوريين، بل مفكر أصيل، مهموم بالقضايا الفكرية لعصره، سواء تلك التي تهمه شخصيًا أو تهم وطنه، كما تهم أي فرد آخر مهتم بمعرفة الدور الذي يمكن للأفكار التي يتبناها ويؤمن بها السياسي أن تلعبه في التأثير على حياة الجماهير.
ويسلط المؤلف الضوء على التأثير الذي لعبته أسرة أوباما على حياته سواء والده الكيني الأصل، أو والدته الأميركية أو جديه لأمه، وكذلك الدور الذي لعبه تعليمه الأكاديمي الراقي في صياغة أفكاره ومبادئه، مما جعل منه تلك الشخصية الفريدة في التاريخ السياسي الأميركي الحافل بالتيارات العارمة والكفاح الطويل والمرير والدامي أحيانا من أجل المبادئ والمثل الأميركية.
والمؤلف من خلال ذلك النبش العميق في الجذور يكشف لنا الكثير عن خلفيات الرئيس الأميركي ويثري من معرفة القراء بتكوينه الثقافي المتميز، ويعمق فهمهم للأسباب التي ستجعله يحظى بمكانة خاصة في التاريخ السياسي الأميركي، بصرف النظر عما إذا ما كان سينتخب لولاية ثانية أم لا.
والكتاب، يقدم لنا أيضًا، وعلى خلفية الاستقطاب الحزبي الشديد السائد في الولايات المتحدة، لمحات من الماضي تبرز كيف تعاون الحزبان معًا في مناسبات تاريخية عديدة، من أجل أميركا موجهًا بذلك رسالة مهمة للحزبين معًا بضرورة إحياء تلك التقاليد مجددًا خصوصًا في الوقت الراهن الذي تواجه فيه السياسة الأميركية أنواءً عاتية في بحر السياسة الدولية.
ويشرح المؤلف كيف أن جزءًا كبيرًا من تكوين أوباما الثقافي، قد تشكل من خلال المناقشات الفكرية العميقة التي راجت في حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، ويتوصل إلى خلاصة مهمة هي أن أوباما هو أول رئيس أميركي، منذ أيام الرئيس وودرو ويلسون الرئيس الثامن والعشرين للولايات المتحدة والذي تولى الحكم بين عامي 1913 و1921، يخوض بهذا القدر من العمق في التيارات الثقافية في بلاده، ويبني أفكاره، وتصرفاته، وبالتالي سياساته على استيعاب وفهم عميق للنظريات والمبادئ الفلسفية المهمة في عصره وهي نظريات ومبادئ قد لا يلتفت إليها معظم السياسيين في العصر الحديث.
ويقول الكاتب إن شخصية أوباما قد تبدو محيرة لكثير من المراقبين، حيث يرونه يتعرض للسخرية من قبل اليمين باعتباره رجلاً ذا أفكار اشتراكية خطيرة، كما يتعرض في ذات الوقت لانتقادات من جانب اليسار تصوره سياسيًا ضعيف الإرادة، خائر العزم، يركز على البلاغة الخطابية أكثر مما يركز على العمل.
يرى المؤلف أن أوباما ليس بالرجل الذي يمكن حصره في تلك التصنيفات الحزبية الضيقة والمتعارضة في آن. وقد تأثر أوباما أيضًا بالكثير من الفلاسفة، مثل فيلسوف القوة الألماني نيتشه و"راينولد نيبور" المولود لأبوين ألمانيين مهاجرين للولايات المتحدة، والذي كتب عن معاناة العمال في مصانع السيارات الكبرى إبان الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، والذي يقال إنه أوحى لأوباما بمشروعه الخاص بإصلاح معاشات المتقاعدين. كما يبرز كذلك تأثر الرئيس الأميركي بالعديد من المنظرين المحدثين في موضوعات الدفاع عن حرية المرأة، والمساواة العرقية، والدستور، وظاهرة العبودية، والحرب الأهلية الأميركية، و"العقد الجديد" للرئيس روزفلت، وحركة الحقوق المدنية في الستينيات.
ومن خلال استعراض ذلك كله يبرز المؤلف مدى فهم أوباما العميق للتاريخ الأميركي، واهتمامه بنهج التوافق والحلول الوسط والبحث عن القواسم المشتركة كوسيلة لحل الخلافات، واهتمامه بالحوار العام العقلاني، وحرصه على الأخلاق الرفيعة... وكلها في رأي المؤلف تمثل علامات قوة لا علامات ضعف كما يقول المنتقدون. ويكتب المؤلف عن تأثر أوباما بشخصيات عظيمة في التاريخ الأميركي مثل جيمس ماديسون الرئيس الرابع للولايات المتحدة، وابراهام لينكولن رئيسها السادس عشر، وكذلك تأثره بالبراجماتية الفلسفية للفيلسوفين الشهيرين وليام جيمس وجون ديوي، والتي وفرت زادًا فكريًا ثريًا لأجيال تلو أجيال من التقدميين الأميركيين على مدار القرن والعشرين.
ويبين الكاتب أيضًا منابع إيمان أوباما بالفكر الديمقراطي، والمفكرون الحالمون والرؤيويون الذين ألهموه، والحركات الاجتماعية وقصص الكفاح الشخصي التي أثرت على تفكيره ومواقفه من مسائل مثل العدالة والدين، والعرق، والأسرة، وكذلك دور أميركا في العالم.
