تتهشّم كل أكاذيب حكومة اليمين على أرضيّة ممارساتها. تزعم أنها انسحبت من قطاع غزة و"تستهجن" تحميلها مسؤولية ضائقته الكارثية، لكنها تفرض عليه حصارًا وتقرّر بقوّة الذراع من يدخله ويغادره ومن يُحظر عليه ذلك. يكفي إيراد مثال وحشيّة التعامل الاسرائيلي الرسمي مع أساطيل وسفن الاغاثة التي تتوجه الى غزة.
وفيما يرتبط بالضفة الغربية، تبثّ حكومة اسرائيل بلاغات كاذبة مفادها أن هناك واقع "حكم ذاتي" للفلسطينيين، لكنها تحاصر بالجدران والحواجز ونقاط التفتيش مجمل الحياة الاجتماعية والسياسية واليومية للناس. وهي تملك (بقوّة السلاح) سلطة تحديد من يأتي الى رام الله واخواتها ويغادرها ومن يُمنع منه!
لا ينطبق الأمر فقط على مواطنين ومسؤولين فلسطينيين، بل على شخصيات مسؤولة واعتبارية دولية. ونذكر كيف منعت المفكر التقدمي (اليهودي) الأمريكي نعوم تشومسكي من القدوم لالتقاء طلاب ومحاضري جامعة بير زيت، لأنها لا تقبل مواقفه التقدمية. (النكتة تقول: اسرائيل واحة الديمقراطية في المنطقة! مَن لا يوافقك الرأي تسدّ الباب بوجهه متوهّمًا بإسكات صوته!). وأمس الأحد، منعت سلطات الاحتلال الاسرائيلي دخول وزيرة خارجية إندونيسيا ريتنو مارسودي والوفد المرافق لها، إلى مدينة رام الله، ولقاء الرئيس محمود عباس، وافتتاح قنصلية فخرية لبلدها. سبب المنع هو رفض الدولة الاندونيسية الانصياع لاملاءات حكومة اليمين بزيارة وزيرتها القدس والتقاء شخصيات رسمية اسرائيلية.
يقول مراقبون إن سبب هذه الخطوة الفظة قرارات مؤتمر القمة الاسلامية الاستثنائية الأسبوع الماضي في جاكرتا، عاصمة اندونيسيا، الذي دعا الى عقد مؤتمر دولي لحل القضية الفلسطينية ومقاطعة بضائع المستوطنات. فكيف يردّ حكّام "الفيلا في الغاب" على حد وصفهم الذاتي– ذلك الغاب الذي يصفون به بغطرسة مغثية "كل من حولهم"؟ يردّون بلغة الحظر وسدّ الأبواب!
السلطات الاسرائيلية قطعت هنا خطوة إضافية جديّة في درب الفظاظة الدبلوماسية والانغلاق المتعصّب والعصبيّ. ربما يظنّ حكّام تل أبيب أنهم بهذا يُظهرون علامات قوّة، لكنهم في الحقيقة يعبّرون عن الدّرك الذي ينحدرون فيه، وعن أزمتهم التي يستحيل إخفاؤها: لقد فرغت جعبتهم من كل الحجج ولم يبق لديهم سوى لغة العضلات وشريعة الغاب وسائر الزعرنات - ليس في ميادين فلسطين فحسب، بل في الحلبة الدولية أيضًا!
