أحب الشيوعية فكرا وممارسة، وكذلك الاتحاد كمدرسة للوطنية والثورية. هكذا تربّى الرفيق عزيز زايد وتتلمذ على يد الرفيقين نمر مرقس وطيب الذكر د.احمد سعد، من خلال المحاضرات والندوات واللقاءات التي كانت تعطى للطلاب الشيوعيين وأصدقائهم في مدرسة يني الثانوية، في سنوات الستينيات من القرن الماضي، وكذلك في النوادي الأخرى فيما بعد. فالمسافة قصيرة بين نادي السلام للحزب الشيوعي في كفرياسيف وجدران مدرسة يني الثانوية. لكن هذه المسافة القصيرة جغرافيا هي المساحة الثورية الزاخرة التي احدثت منعطفا كبيرا في شخصية الشاب المتحمّس المفعم بالحيوية والنشاط عزيز زايد.
انه انسان شيوعي بكل معاني الكلام الثوري المجبول بالشجاعة والممارسة، انسان مفعم بالوطنية الصادقة والثورية الحقة. اذ يقول عزيز نجيب زايد للحياة قوانينها بمعنى عندما تهجّر من بلدك الاصلية وتفصل من مكان عملك ويضطهدونك يوميا وقوميا وطبقيا ويسلبونك ارضك وتنتهك مقدساتك وتسلب حقوقك بالحياة كل يوم وكل ساعة، فكل قوانين الحياة عندها تجعلك تقاوم وتمارس العمل السياسي الثوري بانتظام عندها تتقن استعمال الفكرة الثورية بنجاح كي تحارب عدوك سياسيا وطبقيا .
عزيز زايد هو ابن لعائلة مهجرة من قرية البروة المهدمة. شردت الى البعنة الحمراء سنة 1948 وقد ولد الرفيق عزيز في تلك القرية الحمراء كما يقول في اواسط 1949 في هذه القرية الجديدة عليه اخذ يستوعب كل شيء من حوله وتبلورت طفولته وشخصيته وثوريته على يد الشيوعيين هناك الذين ناضلوا ضد الحكم العسكري والهويات الحمراء والنفي والقمع والجوع، وكان يقف على رأس هذا الكفاح في تلك القرية التي لقبت فيما بعد بالحمراء والتي لها باع طويل في التصدي ومقاومة الظلم، كل من الشيوعي خالد الذكر حسن بكري والشاعر الشيوعي حنا ابراهيم وغيرهما .
فالقرية بالنسبة للرفيق عزيز كانت قرية شيوعية فكل انسان كان يقاوم كان في نظر الرفيق عزيز ابن السنوات القليلة يسميه شيوعيا حتى أصبح كل الاهالي في نظره شيوعيين باستثناء قلة قليلة كانت تتعاون مع السلطة وتشكل بؤرة من العملاء والمدسوسين اذ كانوا منبوذين اجتماعيا من الاغلبية الساحقة من اهالي القرية.
ولذلك نشأ عزيز زايد في خضم المواجة مع السلطة مباشرة، لم يعرف معنى الاحزاب سوى الحزب الشيوعي الذي نما معه وكبرت الفكرة في داخله حتى عندما رحل مرة اخرى فيما بعد سنة 1958 الى ابوسنان وكفرياسيف . فحياة الحزب والكفاح والانخراط في المواجة كانت تسيطر عليه وتستهوي فؤاده في مواصلة نفس الطريق التي سلكها في طفولته في قرية البعنة.
عايش حياة (البركسات) والعوز والفقر والتشرد والقلة، هذه الحياة غرست فيه روح الكراهية للمحتل والمغتصب وكيفية الانتظام في حزب يحمل راية الكفاح من اجل استرداد الحق لاصحابه، وكان الحزب الشيوعي صاحب ذلك الباع الطويل في ترسيخ صمود الناس في قراها وارضها وفضح ممارسات الصهيونية في اقتلاع الشعب الفلسطيني من وطنه.
في سنوات الستينيات انغمس عزيز زايد ابن الانسان الكادح (مرمم الاحذية-الاسكافي) في غمرة الكفاح ضد الحكم العسكري ومن خلال نشاطه السياسي في مدرسة يني الثانوية وعضويته في الشبيبة الشيوعية التي انتسب اليها تنظيميا، اخذ ينشط ويقوم بكل المهام الحزبية الموكلة له . كان يشرف عليهم من حيث التوجيه السياسي الداخلي ابن قريته (البروة) وزميله في المدرسة الرفيق خالد الذكر د.احمد سعد اما العلاقة الخارجية مع الشبيبة والحزب قطريا كانت باشراف مسؤولية الرفيق نمر مرقس .
خلال هذه الفترة من النشاط والعمل تعرف الرفيق عزيز زايد على جريدة الاتحاد كان ذلك في منتصف الستينيات والظروف المحيطة والصعبة لقراءتها وتوزيعها فكان الرفيق عزيز يقراها ويوزعها بالسر عن عيون جواسيس الحكم العسكري، ومنذ تلك المرحلة وهو من قرائها الثابتين والراسخين وهذه هي النقلة النوعية الثانية في بلورة شخصيته القوية المكافحة ورسم مستقبله السياسي والحزبي من خلال قراءته للاتحاد ومعرفته الواسعة مما اكسبته خبرة ومعاني كثيرة وكبيرة في فهم طبيعة الحياة والمجتمع القائم على الاستغلال والقمع والاضطهاد، وانه بالضرورة يجب ان يكون هناك حزب ثوري وجريدة ثورية وكفاح منظم وعنيد قائم على العلم والتحليل والمعرفة، وهذا ما ادركه الرفيق عزيز زايد من خلال ما سمعه من محاضرات وندوات وتثقيف وقراءة ذاتية وتوجيه سياسي من خلال الجريدة الثورية (الاتحاد).
تنقل الشيوعي عزيز زايد واتقن العديد من المهن التي ساعدته على شق طريقه في الحياة، تعلم مهنة (الموسرجي) والحدادة والبناء وطلاء البيوت واخيرا عمل في مصنع للمطاط في منطقة خليج حيفا وهو الآن يتقن العديد من الاعمال والمهن حتى سن التقاعد المبكر اذ قضى عزيز زايد اكثر من خمسين عاما وهو ما زال شيوعيا امميا لا يعرف سوى طريق الحزب والجبهة، شيوعيا قنوعا وانسانا محبوبا متواضعا احب جميع الناس اذ كان يشرح لهم مواقف الحزب ويدافع عنها بكل قوة لا يعرف الخنوع والمواربة والتأتأة لم ينحنِ لا في الماضي ولا الآن فهو قوي كالصوان هكذا علمته الحياة ان يكون.
زرته في البيت قبل فترة وجيزة وجدته انسانا شامخا متفائلا بالحياة واكثر معرفة وادراكا بقوانينها يتمتع بحنكة ودراية سياسية وطاقة على تحليل الامور واكثر تمسكا بطريق الحزب الشيوعي والجبهة، يقول عزيز زايد : "لقد منحني والدي الثقة الكبيرة في اختيار طريقي السياسي وقد اخترت طريق الكفاح والنضال (طريق الشيوعية).
"عندما كنت اسأل والدي وابلغه اني على وشك ان اشترك في نشاط سياسي في نوادي الحزب الشيوعي واني سأمنح صوتي لهذا الحزب كان يقول لي انت حر في اختيارك ولمن ستمنح صوتك، عندها لم اعرف ان والدي كان شيوعيا ونشيطا في ان واحد ولكن لم يكن منظما وهذا ما عرفته فيما بعد، اذ في احدى المرات تجرأت وفتحت جاروره الخاص فوجدته مليئا باحرف التصويت الانتخابية للحزب الشيوعي ".
تأصلت بالرفيق عزيز زايد روح التحزب والنضال، فوجدت بيته يشع نورا ومعرفة كفاحا وادراكا للتحديات هذا ما استشعرته من شريكة حياته وبناته (امل ونسم) تشاركانه وتقاسمانه الكلمة والمعنى ويرسمان معا المستقبل والسير على طريق النضال الذي يسير عليها الاب والزوج عزيز. فعهد المناضلين كما يقول عزيز زايد ان نورث لابنائنا وان يرثوا منا الطريق المجرب لانه الطريق الحر المليء بالعزة والكرامة الوطنية المفعم بالاخوة والاممية.
وجبهة ابوسنان الديمقراطية والحزب الشيوعي اذ يكرمان بهذه المقالة والكلمات الصادقة والمعبرة لاحد جنودها المثابرين والذين حملوا مشعل الكفاح والراية الحمراء من ايام الطفولة المبكرة وحتى اليوم، فما زال هذا الانسان في خندقنا يشاركنا الهم ونشاركه، ونحن اذ نحني هامتنا اجلالا لهذا الانسان الكادح والبسيط الواعي الشجاع الذي قدم للحياة والحزب والجبهة نموذجا صغيرا مليئا بالصمود والتحدي وانكار الذات.
اننا نتمنى للرفيق عزيز زايد وزوجته وبناته وعائلته الصحة والعطاء والعمر المديد ومواجهة التحديات بالمزيد من التروّي والاصرار على التحدي والصمود امام كل المحن والعواصف، سيبقى عزيز زايد عزيزا علينا وعلى الحزب والجبهة ... ومعا على طريق النضال نحن سائرون .
(أبو سنان)
