صباح الخير يا وطن

single

تزوجتُ في الثامنة عشرة من عمري لقريب لي، عاش وحيدا بلا أهل بعيدا عن والديه وإخوته وأخواته. كان ذلك عام النكبة الأولى لشعبنا الفلسطيني في الـ48، حين طرد أفراد عائلته برمّتها من البعنة إلى الشتات وبقي زوجي الذي كان طفلا وحيدا عند جدّته، الى ان يعود والداه وأشقّاؤه عندما تهدأ الأحوال، ولم يعرف والديه أن مصيرهم سيكون الغربة وترك ابنهما لمدّة 61 عاما.
كان ذنب زوجي الوحيد أنه عربي فلسطيني من الجليل، هُجِّر أهله من قِبَل من احتكروا لذاتهم ما أسموه بـ"الكارثة والبطولة"، ثم أتوا ليمارسوا ضد شعب آخر ما ارتُكب بحقّهم فاستوطنوا بلادنا وقطعوا أوصال أهلها.
أية ديمقراطية هذه وأيّة عدالة إنسانية أن يُحرم طفل لم يتجاوز السنتين من عمره حنان وعطف والديه وأشقّائه. عاش سنيّ حياته يبكي وفي أعماقه الشوق واللوعة واللهفة يتوق لترديد كلمة يَمّا ويابا على شفتيه. مع هذا كله، تغلب بقوة إرادته على مصاعب الدنيا وحرمانها وبنى بيتا وأسرة وعائلة تواصلت مع أهله في الخارج السنة تلو السنة، رغم الحدود والأسلاك الشائكة وصعوبة الالتقاء.
 في بداية حياته انتقل إلى مدينة القدس للعمل في قرية بيت صفافا التي كان الشريط الحدودي بين إسرائيل والأردن يقسمها إلى قسمين، كان يؤم هذه القرية العديد من الزائرين الفلسطينيين من كلا الطرفين، لا لكونها بلدا سياحيا بل لأن جغرافيتها غير الطبيعية التي صنعها الاحتلال، متقطعة الأوصال، الأب هنا والإبن هناك من الجهة الاخرى فرضت هذا المكان لالتقاء الأحبّة.
حين كان عمر زوجي 22 عاما، بعث برسالة لأهله في لبنان يطلب منهم لقاءه في بيت صفافا علّه يحظى بلقائهم عبر الشريط الحدودي، وبعد عدة ايام وصلت إلى نقطة من الشريط سيارة أجرة أردنية كان في داخلها والدته ووالده ولأول مرة تتصافح الأيدي وتلتقي العيون من ثقوب الشريط. كان منظرًا محزنًا تقشعر له الأبدان وكانت الدموع والآهات هي لغة اللقاء المحزن وانتهى على هذا النحو، ثم كان لا بد من الفراق بعد هذا اللقاء.
مرت الأيام والسنين واستطاع الأهل زيارتنا بعد أن امتلكوا الجنسيات الأجنبية، بعدها توالت النكبات والصدمات، فكانت المأساة الأولى بوفاة والد زوجي حمد قاسم بكري (أبو عصام) في آخر الدنيا في أستراليا، فسافر الزوج الحزين للقاء أبيه ولكن هذه المرّة ليس عبر ثقوب الأسلاك، بل إلى قبره في بلاد الغربَة، حيث كانت أمنيته أن يدفن في ثرى وطنه ومسقط رأسه في البعنة، وما كان للإبن الحزين إلا أن بنى بيديه قبر والده وكتب عليه "هنا يرقد المرحوم حمد قاسم بكري (أبو عصام) من فلسطين".
قبل ثلاث سنوات تقريبًا، حين كان زوجي يستعدّ للسفر لزيارة والدته المريضة وأشقائه في أستراليا، حدثت المأساة الثانية الأكبر، دقّ جرس الهاتف من أحد أشقائه في أستراليا ليعلن  وفاة الوالدة (أم عصام).
سافر الزوج إلى أستراليا مرّة أخرى لزيارة قبر والدته وبنى قبرها إلى جانب قبر والده، ليطوي مرحلة تاريخية صعبة لم يعشْها، أو بالمعنى الأصحّ عاشها بعيدًا عن والديه وأشقائه. وهكذا كتب على زوجي أن يواصل حياته ولكن بحسرة وجرح عميق لا يندمل.
تلك هي قصّة زوجي وهي واحدة من القصص التي تُحكى عن شعب كامل ينتظر الفرج طيلة 63 عاما.
أما اليوم ونحن نحيي الذكرى الـ63 لنكبة شعبنا الفلسطيني، وبعد الانتفاضات الشعبية وإصرار الفلسطينيين على حقّهم في العودة إلى قراهم ووطنهم، أقول، أما آن الأوان للجرح الفلسطيني أن يندمل... الرحمة للذين ذهبوا وصباح الخير يا وطن.

 

(البعنة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

في ذكرى الأقانيم

featured

توحدوا، توحدوا وتوجهوا الى الامم المتحدة!

featured

الأهمية القانونية للاعتراف بالدولة الفلسطينية

featured

داني بيتر أول رئيس لقائمة المعلمين الدمقراطيين(1928- 25-06-2015)

featured

اوباما ينتقد ادارة سلفه ولكن؟

featured

يوم أرض ثانٍ؟

featured

التّجربة الأولى

featured

أوقفوا ليبرمان !