هل بقي أمل؟

single

*السؤال بوجوهه كافة لن يكتمل مغزاه إلا إذا استحضرنا الوجه منه الذي يُحجِمُ كثيرون عن استحضاره علانية: هل استفحلت النكبة، وفات أوان تجاوزها، ولم يبق أمام الشعب الفلسطيني فرصةٌ للخلاص مما دُفع إليه دفعًا في العام 1948؟*


//
كثيرة هي، إذًا، الأسباب التي تضافرت، الأسباب التي أوقعت بالشعب الفلسطيني في العام 1948 وسبّبت نكبته المستمرة حتى يومنا هذا. بعض هذه الأسباب فلسطيني ذاتي، وبعضها عربي محبِط، وكثير منها دوليّ خارجي. أما سبب الأسباب، كما أُشير إليه في الحديث السابق، فهو حجم القوى التي توافقت مصالحها وسياساتها وأهدافها فشكَّلت التحالف الذي فاقت قدراته قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهته مواجهة ظافرة. فإزاء تحالفٍ له الحجم الذي توفّر لدول حلف الأطلسي والصهيونية وإسرائيل وكلِّ ما على شاكلتها، لم يكن بمقدور الشعب الفلسطيني أن ينجو، حتى لو اتّبع أصوب السياسات وأشدّ أوجه السلوك فعالية. فكيف كان سينجو وقد اتبعت قيادته الوطنية السياسة التي نعرف كم أضرت به والسلوك الذي أضرّ أكثر مما أضرت هذه السياسة!
الآن، بعد أربعة وستين عامًا، يظل في البال السؤال الذي يتواتر منذ البداية: هل تبدّل ميزان القوى؛ هل نقص حجم التحالف المعادي؛ هل صار بإمكان الشعب الفلسطيني، بما بقي له من وجود وقوة، أن يطوي النكبة ويستعيد أرضه وحقوقه؛ هل بإمكان هذا الشعب، بعد أن جرى له ما جرى، أن يستعيد أيّ أرض أو حقوق، فيظفر بما فاته الظفر به في العام 1948؛ هل يأذن الظرف الراهن بأن تقوم دولة الشعب الفلسطيني المستقلة على الجزء الذي خصّصته لها قرارات الشرعية الدولية؟
السؤال بوجوهه كافة لن يكتمل مغزاه إلا إذا استحضرنا الوجه منه الذي يُحجِمُ كثيرون عن استحضاره علانية: هل استفحلت النكبة، وفات أوان تجاوزها، ولم يبق أمام الشعب الفلسطيني فرصةٌ للخلاص مما دُفع إليه دفعًا في العام 1948؟
لا توفّر الحياة إجابةً يقينيّة على سؤال بهذا الحجم وهذا النوع، لا توفّر إجابة بسيطة ومستقيمة. والشأن الفلسطيني أعقد، بإجماله كما بتفاصيله، من أن يتمّ تناوله ببساطة. غير أن تعقيد هذا الشأن لا يعني أن من المتعذّر تلمُّس سُبل الإجابة تلمسًا قد يُفضي إلى شيء من اليقين. والسبل المتيسِّرة فيها ما هو ايجابي مثلما أن فيها ما هو سلبي. حديث اليوم سيتناول ما يمكن تلمسه من السبل السلبية، السبل التي هي الأشدّ تأثيرًا حتى هذه اللحظة.
أول هذه السبل أن القوى التي تضافرت ضد الشعب الفلسطيني في الماضي ما زالت، هي ذاتها، متضافرةً ضده: دول الغرب الرأسمالي وما على شاكلتها؛ وإسرائيل وصهيونيوها؛ وكل ما له مصلحة في صيانة وجود إسرائيل وتعزيز قدراتها؛ والقوى المحيطة التي يمكن لهذه الدول أن تجنّدها لخدمة مصالحها. هنا، تحضر حقيقة أن مصالح هذه القوى قد اتسعت بمضي السنين، فاشتدّت حاجتها إلى وجود إسرائيل متفوّقة وقادرة على تطويع المنطقة وضبط حركة الشعب الفلسطيني بحيث لا تؤثر تأثيرًا سلبيًا على هذه المصالح.
وثاني السبل أن القوى الأخرى، هذه التي جعلت من الممكن أن لا تؤدي النكبة إلى إبادة الشعب الفلسطيني، والتي حالت دون إلغاء وجوده الوطني، قد نقصت نقصانًا بيّنًا: وهنت حركة التحرر الوطني العربية؛ وغاب الاتحاد السوفييتي؛ وانهارت الأنظمة الاشتراكية في دول أوروبا الشرقية؛ وانهار التضامن العربي الذي كان ينعقد أكثر ما ينعقد حول الشأن الفلسطيني، والذي أبقى لقضية فلسطين على مدى عقود حضورها القويّ على جدول الأعمال الإقليمي؛ وتقلّص تأييد الدول العربية لهذا الشعب كما تقلّص انشغالها بقضيّته. والى كل هذا، جهر العدد الأكبر من الدول العربية بالتبعية للدول التي تحمي إسرائيل، أو بالتطامن إزاء هذه الدول وإزاء إسرائيل ذاتها، أو بالتبعية والتطامن معًا. وبلغ الأمر هذا الحدّ الكريه الذي نشهده هذه الأيام: ولع المعارضة ذاتها بالتبعية ودعوتها الجهيرة إلى أن تغزو الدول الحامية لإسرائيل بلدان العرب.
ثالث السبل هو ما لحق بالحركة الوطنية الفلسطينية، الوهن، والفساد، والإمعان في السياسة الخاطئة، والانقسام، والتشرذم، وما إلى ذلك مما هو ماثل أمام كلّ عين بصيرة.
السبل الثلاثة متداخلة الحضور مثلما هي متداخلة التأثير. فاتساع مصالح حُماة إسرائيل، وظفرهم بما ظفروا به من ثروات منطقتنا ومن الحضور الاستراتيجي الكبير فيها، واشتداد حاجتهم للدور الإسرائيلي، هذا كلّه وما يماثله أدّيا، بين ما أدّيا إليه، إلى تحسين موقف الدول الحامية لإسرائيل. فتمكنت هذه الدول، مع وجود عوامل أخرى بالطبع، من تأجيج الحرب الباردة والظفر بالنصر فيها وإلغاء وجود الاتحاد السوفييتي والأنظمة الاشتراكية. وبهذا، كما بغيره، زادت هيمنة حماة إسرائيل على منطقتنا، كما زادت قدرتهم على تقوية إسرائيل، فضاقت بالتالي فرصُ الشعب الفلسطيني للنجاة، وصار حاله اقرب إلى حال الأيتام على موائد أحطّ اللئام.
وإذا كانت نكبة 1948 قد عطلت تطبيق قرار التقسيم وغيّبت فرصة قيام دولة الشعب الفلسطيني المستقلة على خمسة وأربعين بالمائة من ارض وطنه، فإن انهيار الأنظمة الاشتراكية وغياب التضامن العربي ووهن الحركة الوطنية الفلسطينية غيّبوا فرصة تطبيق القرار 242 وقيام دولة الشعب الفلسطيني على الأرض التي احتلتها إسرائيل في العام 1967.
والواقع، كما ينبغي استبقاؤه في الذاكرة، هو أن القرار 242 نشأ على قاعدة التوازن الذي كان قائمًا في العام 1967: الاتحاد السوفييتي ودول حلف وارسو الأخرى وحركة التحرر العربي وأنظمتها وقواها التي لم تهن أمام الهزيمة العسكرية، من جهة؛ وإسرائيل وحماتها الكثيرون من جهة أخرى؛ الاتحاد السوفييتي على احدى قمتي التوازن النووي، والولايات المتحدة على القمة الأخرى. هذا التوازن جلب قرارًا، هو 242، يطلب من إسرائيل أن تسحب قواتها، بالرغم من أن هذه القوات هزمت قوات الدول العربية المحيطة بهذه الاسرائيل.
انهيار الطرف الاشتراكي وما زامنه أو لحقه من انهيارات أخرى ألغيا الأساس الذي انبنى عليه القرار 242، وغيّبا فرصة قيام الدولة الفلسطينية التي ثابر الاتحاد السوفييتي على الدعوة إلى قيامها منذ انتصاره على النازية حتى انهياره. فهل سيستمر غياب الفرصة، أو ان الوجه الايجابي لسبل التطور يُبقي الأمل؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

ستبقى المقاطعة ما بقي الاحتلال

featured

"داعش" والصهيونية وجهان لعملة واحدة

featured

العتبة: عندما يبكي الرجال!

featured

ارفع رأسك يا أخي

featured

النّصر على النازية انتصار للشعوب

featured

جنيف 2 على الابواب

featured

خطر الفاشية.. والأزمة الرأسمالية

featured

لصوص الحرب، والصمود السوري، وقوة الردع الروسية