*لو حضرَ مفهوم حق الرجل بالبكاء، ومفهوم عقلانية المرأة في البكاء وتبنّى المجتمع الحَقَّين، لسقط وزر العبارة عن كاهلنا جميعا*
أسير في الشارع، ليس في أبهى الأيام طقسا ولا أكثر الاوقات صفاء، فلطالما كنت امرّ من هنا لأحتسي بعض القهوة او الشاي، في مقهى فاضت حاجته عن احتضان المارّين لنصف ساعة او ساعة يتحدثون خلالها اكثر مما يحتمل ارتشاف فنجان شاي واحد، المقهى الذي لم يعد مقهى بات يكتفي ببيع الحلوى والقهوة المحمّصة. الى يمينه كنتِ تقفين طويلا أمام مئات الصور القديمة، التي سبق وأن تفحصتها مرارا وتكرارا في تلك الصالة الكبيرة لمحل بيع الصور والبراويز، ها هو المحل، تجتاحه شهية البطون وأعلام يستطيع من يبحث عن منجد من البرد الالتحاف بها، لتعلن عن بيع الشوارما التركية في هذا المكان تحديدا، حيث كانت صالة الصور القديمة. لا بأس فالدرج الضيق الذي كان يصعد الى شبه عليّة المحل، التي أصبحت هي المحل، يؤشّر لمن تاه أمام سيخ الشوارما التركية، أن الصور هناك في مكان ما، في الاعلى.
أسير في الشارع دون ما ألِفته به، وإذ بي امرّ باسطورة تسير هي الاخرى في الشارع برضا وسرور وحريّة، كما بدا عليها.
اتبادل مع سامر العيساوي بعض الحديث، هو حديث سلس وطبيعي ينسيني اننا كنا قبل اشهر قليلة نتراكض خلفه في اروقة المحاكم الاسرائيلية علّنا نظفر بصورة له. وقتها كانت عائلته مثالا للصلابة والحكمة والوعي السياسي والاعلامي، وكانت والدته تجسّد مثالا أكثر وضوحا لملامح المرأة الفلسطينية، كَسرت به صورا نمطية ألصقت بالنساء عنوة، وفرضت مجددا حقيقة كون المرأة والمرأة الأم قادرة على الخطابة والحشد والتجنيد السياسي والشعبي والاعلامي، دون أن تذرف دمعة واحدة، وإن ذرفتها يكون ذلك سمة عادية من سمات البشر، وليس ضَعفا أو استجداء للشفقة.
كنت أهمّ بالكتابة حول موضوع آخر عندما استوقفتني مجددا تلك الصورة، التي تجول في مخيلتي منذ اسابيع ليس لتفاصيلها إنما للعبارة الملازمة لها وبأخواتها من الصور، كطقم أسنان إن نقص، بطُل فعله.
الصورة: رجل في نهاية العَقد الخامس من العمر، يجلس فوق ركام منزله والغبار الطريّ يتصاعد فوقه كالدخان. قبل لحظات أنهت آليات الاحتلال مهمتها لهذا اليوم قبل ان تمطر الحي بقنابل الغاز لتؤمن انسحابها وسط فورة الغضب العارمة، أو لتسحق أكثر مشاعر أصحاب المنزل المهدّم. الرجل يضرب رأسه بقوة مستعينا بشيء ما.. يصرخ ويبكي. ثم تأتي تلك العبارة الحازمة الحاسمة، التي تلخّص كل شيء، أو هكذا على الأقل يعتقد مطلقها الذي يبدو كمن يطلق السيف في فضاء المعرفة قاطعا الشك باليقين، " عندما يبكي الرجال" يقول الشخص، ليتعين علينا نحن ان نخلص الى ان المأساة أمامنا هي فعلا مأساة!
كم تغيظني هذه العبارة، هل تذكرون الرجل المسن في فيلم جنين جنين للمخرج محمد بكري، عندما يكشف عن قدمه المصابة ويبكي مجزرة المخيم؟ من منا لم يبك معه في ذلك المشهد؟ وبسبب ذلك المشهد وكمٍّ هائل من الصور الشبيهة تغيظني تلك العبارة. فهي تجبرني على التساؤل، لماذا بكينا؟ هل لأن الرجلَ رجل! هل لانه مسن! أم لأن المجزرة قتلته وقتلتنا في الصميم؟!
تغيظني هذه العبارة لأنها ككل أسلحة الدمار تفتك بكل الاحوال، ولا تفرق بين احد. هي اشبه بالقاعدة التي تنطبق على كل شيء، وبما انها كذلك اتساءل ايضا كيف انظر على أساسها إلى سوق دعاة الايمان والتقوى البكائين او المتباكين ممن لا يفقهون شيئا في علوم الدين؟ أولا يبكي الرجال صدقا، بحسب القاعدة/العبارة! اولئك الذين تحولت شاشات الفضائيات مسرحا لأصواتهم المرتجفة ودموعهم الزائفة يتشدقون مستترين بها بأعتى الفتاوى وأكثرها جهلا، كيف اصدّق حتى نحيبهم؟!
وأكثر ما يغيظني بهذه العبارة التي أبدًا لم تكن في محلّها، أنها تجعل للبكاء منازل، للرجل منزلة وللمرأة اخرى. بكاء الرجل ينمّ بحسبها عن كرب ما بعده كرب وينجم عن حالة وعي متكاملة ورصينة تأتي تعبيرا عن كارثة، ولذلك على المجتمع تناولها بجدية ووقار، فيما بكاء المرأة ليس سوى حالة شعورية متكررة تعكس هشاشتها، وكأن المرأة منفصلة عن العقل في مشاعرها، ولذلك فإن اكثر ما ينجح بكاؤها بفعله عموما، اثارة عواطف هذا المجتمع.
هذه الذكورية المتفاقمة التي تفرز حالة غضب عندما يبكي الرجل، وتفرز حالة استعطاف عندما تبكي المرأة، ولو نشج كل منهما فوق أنقاض بيته المنهار، فيها ظلم لكليهما. ولو حضرَ مفهوم حق الرجل بالبكاء، ومفهوم عقلانية المرأة في البكاء وتبنّى المجتمع الحَقَّين، لسقط وزر العبارة عن كاهلنا جميعا.
علّها تصير يوما ما: عندما يبكي الرجال وعندما تبكي النساء، فإن ثمّة شيئًا موجعًا وخطيرًا قد حصل.
