نريد خطابًا موحِّدا

single

ملاحظات سريعة على مقال الشيخ كمال خطيب


ما أحوجنا إلى خطاب يجمّع ولا يفرّق، الخطاب المحبّ الرحب الطيّب الأصيل والجامع لأبناء شعبنا، كلّهم.. خطاب الوحدة الوطنية، تمامًا بالاتجاه المعاكس لردّ الشيخ كمال خطيب على مقال الصحفي سميح غنادري.
يكتب الشيخ كمال في مقاله المنشور في عدة صُحف (الجمعة 24.02.2012): "إن الغنادري هذا ينصّب نفسه وصيًا علينا، نحن المسلمين، حين يستكثر علينا الخوض في السياسة.. إن الغنادري هذا يريدنا أن نظل قطيعًا ومخزنا للأصوات يقودنا هو وأمثاله في أحزاب تدعي الوطنية لا نصلح نحن فيها إلا مصوتين وهتافين ورداحين، بينما يصلح هو وأمثاله ليكونوا قادة وزعماء وأعضاء كنيست وغيرها.... ألا تعلم يا هذا -وأنا أقسم- أنه قد انتهى الزمان وولى إلى غير رجعة الذي فيه تسوقنا أنت وأمثالك وتتزعمنا أنت وأشكالك، وإننا قادرون وفينا ومنا وبيننا القادة والسياسيون والكتاب والمفكرون والإعلاميون الذين يقودون شعبهم برؤية سياسية صادقة ونظيفة وليست مزيفة؟"- إلى هنا نهاية الاقتباس.
 الشيخ خطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية الشمالية، ينصّب نفسه – لا سميح- وصيًا على المسلمين كلّهم، ويقسّم شعبنا عموديًا بين المسلمين وغير المسلمين، وذلك بخلاف الأحزاب الوطنية التي تجمع أفقيًا - وعُمقًا عموديًا- وطنيين من كل شرائح شعبنا. وهو يختلق تطابقًا كاملا بين المسلمين والحركة الإسلامية الشمالية، وكأن لا مسلمين في سائر الأحزاب ولا مسلمين عاديين غير منضوين حزبيا وحركيا.. وهو يقسّم الناس إلى "نحن المسلمين" وإلى "غيرنا". وهؤلاء الـ"غيرنا" كانوا قيادتنا في "أحزاب تدّعي الوطنية!" وكنا "نحن المسلمين" قطيعا، مخزنا للأصوات، هتّافين ردّاحين!" أما قيادة المستقبل فهي لنا نحن المسلمين!

 

* * *

 

إن المنطق ينتفض عندما يُسقِط الشيخ خطيب تعابير "القطيع" و"الهتّافين والردّاحين" على جمهور المسلمين! فأولئك هم المناضلون والمضحّون، الوطنيون الصادقون الذين صنعوا مسيرة البقاء والكرامة، صنعوا يوم الأرض والأيّام الكفاحية، مع إخوتهم المسيحيين والدروز. لهؤلاء يقول توفيق زيّاد في تواضع شغوف: "أبوس الأرض تحت نعالكم".. يا لفرق التوجّهيْن! 
الشيخ خطيب يُقسِم بخصوص المستقبل: "فمنّا القادة والسياسيون والكتاب والمفكرون والإعلاميون...".. من تقصد يا شيخ بـ"منّا"؟ وهل "المسيحيون" و"الدروز" ليسوا "منّا" وليسوا من المهيّئين للقيادة؟! وليسمح لي القرّاء الأعزّاء بأن أعيد عليهم درس "الألف" "باء" الوطني خطوة خطوة: نحن أبناء الشعب العربي الفلسطيني الذين هُجّرنا، معًا، من البروة، الدامون، صفورية، إقرث والغابسية.. نحن الذين بقينا، معًا، رغم تسونامي النكبة الجارف؛ وعبرنا، معًا، مرحلة الحكم العسكري ونعاني اليوم من جراء مسلسل القوانين العنصرية التي تستهدفنا كلّنا كعرب!.. نحن الذين نعيش معًا، ومصيرنا، ومن بيننا (كلّنا) ستكون قيادتنا.. هل أصبحت هذه الحقائق البسيطة العفوية والواقعية موضعَ شكّ يا شيخ؟!
في الماضي القريب قاد شعبنا أبطال حقيقيون منهم الدكتور إميل توما الذي نظّر وطبّق فكرة الأُطر الوحدوية العربية ابتداءً من إقامة الجبهة الشعبية الشاملة لكل أطياف شعبنا في نهاية الخمسينيات وحتى إقامة "لجنة المتابعة" بداية الثمانينيات. ومن قادة شعبنا، أيضًا، توفيق زيّاد الذي كان له الحضور الباسق في صناعة أيامنا الكفاحية ولعلّ أبرزها أيار 58 ويوم الأرض الخالد 76. مثل هذه القيادة لم تلتفت إلى انتمائها الفئوي في الحيّز الوطني العام، صاغت دورها كجزء من هذا الشعب، وعملت لأجله، دون تفرقة.
ليسمح لي القارئ أنني لن أعدّد "دور المسيحيين!" في تطوّر شعبنا سياسيًا، فكريًا، ثقافيا وحضاريًا.. ولو نظرت من هذه الجانب لوجدته دورًا هائلا شامخًا.. ولن أتحدّث عن مسؤولية "الأكثرية"! فأنا أرفض هذا التوجّه وأرفض هذه المصطلحات التي تكرّس وضعيّة شعبنا كمجموعات، وإنما أرى بأبناء شعبي أفرادًا منتمين لشعبنا العربي الفلسطيني! وأجدني متفقًا تمامًا مع سميح غنادري الذي كتب:  "لا ينقسم شعبنا بين أقلية وغالبية مسلمة أو مسيحية بل هو بغالبيته المطلقة عربي فلسطيني ذو هوية قومية ووطنية وإنسانية جامعة، على تعدد أديانها وطوائفها".
وبمقابل مقال الشيخ خطيب كتب الأسبوع الماضي الشيخ عبد السلام مناصرة، وناقش بتواضع وتسامح، وعبّر عن رأيه دون استعمال تعابير تغلب عليها الغرائز، نحو: "الغنادري هذا.. ألا تعلم يا هذا!.. انت وأمثالك.. أنت وأشكالك.."- كما ورد بالاقتباس أعلاه. 

* * *


اتصل بي أحد الأصدقاء مقهقهًا لأنه عدّد الكلمات الهجومية والتحريضية في مقال الشيخ خطيب فوجدها 61 كلمة! قد يكون هناك حيّز للقهقهة، ولكن صدور هذه الكلمات من صاحب منصب قيادي ومؤثّر على جمهور ما، هو أمرٌ خطير ومسيء لوحدتنا ونسيجنا الاجتماعي، ويخدم أعداء وحدتنا، أعداء شعبنا- هذا الكلام يجب أن يُقال بوضوح لا لبس فيه.
ولأن الحقّ يُقال، فالشيخ ذكر في مقاله بعض توجّهاته المتسامحة، ومنها، على سبيل المثال، لا الحصر، أنه يعايد المسيحيين في أعيادهم.. شكّر الله سعيك يا شيخ!..

 

(سكرتير الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشيخ "جوعان" لن يهتم بالأسرى المضربين عن الطعام

featured

الشهداء الأبطال: في ذكرى إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي

featured

تواطؤ بثمن "القبة الحديدية"

featured

في مواجهة إعلام الاحتلال

featured

أصبح غير عادي أن يمر بنا يوم عادي!

featured

ليبيا في قبضة الاستعمار

featured

بين الطاعة والاحترام