لعقود خلت احتدم الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين في معركة استهدفت عوامل الجغرافية والديموغرافية واستخدمت كل الخدع والفرص المتاحة أمام الجانبين لإثبات ملكيتهما للأرض.
ومع هذا الصراع، غابت التعاليم السمحة التي حاولت الديانات الثلاث إرساءها، وغاب معها سعي المحتل لإنهاء احتلاله على أرضية تلك التعاليم، ليستمر الصراع على أرض الأنبياء الثلاث.
فاستمر القتل وسفك الدماء بينما غاب صوت العقل في مقابل الطمع، وسيطرت الرغبة على إفناء الآخر على حساب التعايش، والكراهية على حساب الحب والسلام، فتم كل هذا في محاولة مستديمة لإثبات نظرية كل طرف على حساب الآخر.
ومع استمرار الصراع المحموم، تصاعدت رغبة إسرائيل في امتلاك أسلحة الدمار الشامل، فراكمت تراسنتها النووية والجرثومية والكيميائية متسلحة بالإدعاء الأعوج بأنها تخشى على نفسها من خطر الإفناء، خشية وخوف شرعا لها امتلاك الأسلحة الفتاكة ومصادرة الأرض الفلسطينية وبناء جدارها المماثل لجدار برلين آخذة شعبا بأسره رهينة احتلالها لعقود لم تنته.
لكنني أقول وبكل ثقة وكفلسطيني فقدَ أحبته في هذا الصراع وشهد حروبا ثلاث متعاقبة، بأن أيا من أبناء شعبنا لن يفكر في تدمير إسرائيل إذا ما حصل على حقوقه المشروعة وشهد توظيفا واضحا للعدل. بل إن ما يفكر فيه الفلسطينيون حقيقة هو إنهاء المسبب الرئيس للصراع ألا وهو الاحتلال، والاحتلال وحده.
والسبب في ذلك هو لأن المرء لا يمكن أن يشهد كل ما يجري من تعسف وتنكيل تمارسه إسرائيل فيقع في حب احتلالها ويحمي أمنه. لأن أمرا كهذا سيكون مماثلا لمن يطلب من فقير ما أن يموت بينما يعيش هو حياته بعز وكرامة، أو كمن يطلب من مشرد ما أن ينتحر بينما يعيش هو حياة رغيدة ملؤها السعادة.
إن سنوات دراستي في عالم الفيزياء قد علمتني كما علمت ملايين البشر بأن لكل فعل ردة فعل تساويه بالقدر والقيمة وتخالفه بالاتجاه. فمن يزرع الحب يحصد حبا ومن يزرع الحقد يحصد مثيله، أي في تطابق كامل مع ما كانت تقوله جدتي بأن زارع الورد لا يمكن أن ينبت زرعه شوكا.
لكن الصراع يستمر وتستمر معه معركة الوجود بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فيستمر القتل والاعتقال حتى مع كتابة هذه الكلمات، ويستمر معه اقتتال الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن هذه المرة بتميز غير مسبوق، إذ أن أبناء شعبنا ومن يناصرهم يمتهنون اليوم إبداعا أكبر في نضالهم فينشرون كل ما يقومون به على الإنترنت، فلا يمر فيلم أو تقرير أو كلمة إلا وتشهد رد فعل مماثل لها على الإنترنت.
فلو قرر الإسرائيليون إغلاق مدينة فلسطينية لواجههم نشطاء فلسطينيون بمحاضرة مسجلة تنشر على الشبكة العنكبوتية، ولو قرر أحدهم بيع منتجات المستوطنات واجهه جيش من المتضامنين على طريقتهم فدعوه إلى التوقف عن هذا الأمر ولنشروا إنجازهم بالصوت والصورة في الفضاء الإلكتروني، ولو حتى فكر جيش الاحتلال بنشر تهنئة متلفزة على الإنترنت فإن أبناء الحصار الظالم في غزة سيتلقفوها ويعدلوها لتعكس حقيقة الأمر من ثم يعاودوا نشرها.
ولو قرر الاحتلال ألا يسمع ولا يفهم فسيواجهه متضامنون أجانب يرقصون الدبكة الشعبية الفلسطينية في عقر داره فيصوروا فعلهم هذا ويضعوه أيضا على الإنترنت.
نعم، نحن يا سادة أمام عصر جديد، عصر الانترنت والإعلام الاجتماعي الإلكتروني بامتياز.
لذا، فإننا نقول للمحتل الإسرائيلي بأننا ربما لم نقدر ذات يوم أن نرد على امتلاككم لأسلحة الدمار الشامل بفعل مماثل بالقوة، لكننا اليوم وشكرا للإنترنت بتنا نحن ومعنا آلاف المتضامنين الإسرائيليين والأجانب نواجه إعلامكم بردود مماثلة نوعا ما، وربما متقاربة من حيث القوة ولو إلكترونيا، ليس لأننا ننشد حربا بل لأننا نريد أن نزرع الحكمة في عقول المحتلين والقناعة بأن احتلالهم لا يمكن استدامته.
ربما لا نكون اليوم متساوين من حيث القوة، لكننا ومع نمو الإعلام الاجتماعي ربما نستطيع اللحاق بكم قريبا بينما نبقي على آدميتنا كأبناء لأنبياء جمعتهم ذات يوم صلة القربى.
إننا يا سادة بانتظار اليوم الذي سيفهم فيه أبناء عمومتنا على طريقتنا بأن ولادة فلسطين الدولة أمر حتمي وإنجاز سيتحقق لا محالة!.
(رام الله)
* كلمة ألقيت في جامعة هارفارد
