*زار النائب محمد بركة، رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، في 14 آذار الجاري، الرفيق الأسير باسم الخندقجي في سجن الجلبوع للاطلاع على أوضاعه، وهو يقبع في سجون الاحتلال منذ سنوات طوال- وبعد اللقاء بعث الرفيق الخندقجي هذا النصّ المؤثر*
على حين حرية حلت ضيفةً عليّ، زرتني وجئت ليّ بسمو أميل حبيبي وحزن توفيق زيْاد مرتدياً كرملاً بأكمله.. في البدء لم أصدق أن رجلاً من رائحة رفاق وعظماء خالدين قد سافرَ إلى الغربة الحديدية كي يلتقيني في زيارة حميمة ليمنحني المزيد من الدفء والصمود والتحدي فكم كنت أنت رائعاً يا رفيقي.. وكم كنت أنا مرتبكاً في حضرة بُحة صوتك وكلماتك الفلسطينية المزدانة بالطهر الثوري والإنتماء الخالص.
كان اللقاء الأول والأجمل في وقتٍ صيادٍ محترف يتسلى باصطياد بني وطني ويرميهم في شباكه وكمائنه ليتخبطوا ويرتجفوا ويموتوا ولا يموتوا.
جئت لتؤكد فيّ شجرة الانتماء والصمود ولتقول لي إن ما يجري الأن هو غبار تطفل على عنفوان طفلنا الفلسطيني سيزول هو وأثاره بسرعة..
وفي غرفة الزيارة سألتك اسئلة كثيرة وكأنني الطفل الباحث عن إجابات طفولته الملحة في حضرة أبيه واجبتني أنت بالشفاء والسكينة كما الأب يسرد لطفله حكاية "الشاطر حسن" قبل النوم. ولكنني لم أنم بل حلمت وحلمت رغم المغامرات والكوابيس في الدهاليز المظلة وقلت لك: باقٍ في حيفا أنت مثل أميل حبيبي في وجه العنجهية والقضم والخطر والتهويد والعنصرية.. في قصيدة توفيق زيْاد باقٍ.. وقلت لك أيضاً نحن نؤمن بك.. فقلت لي: لا تؤمن بي.. بل ثق بي ذلك أفضل في زمن الردة والكفر..
فرددت عليك: لا بل أنا أؤمن بك وأصر على ذلك فكرة سامية كرملية عنقاء.. أؤمن بك يا رفيقي فتقدم.. طوبي لك وللحزن وللتحدي في عينيك.. وفي زيارتك المسروقة من دولة الغربة الحديدية طمأنتني أكثر على مصير الفلسطيني الصامد على الساحل الكنعاني، وقلت لي: لم يقتلعوني من هنا فإما الموت أو آتي إليكم لأستمد الأمل منكم ولا حلّ وسطي لقضية لا تحتمل الاحتمالات ولا الالتباسات والدواوين الجهوية الحريرية في اصقاع الأرض المحتلة..
فقلت لك: لا تأتِ إلينا ولا تمت فنحن قد نحلم ولكننا نموت في اللحظة الواحدة ألف مرة. بالرغم من البطولة والصمود، إلا أن دمع الأم غالٍ والبعد القسري عن الواقع المواجه مأساوي ومفجع يا رفيقي.. فإبقَ في حيفا ومارس السموّ البهي واتبع اُثر فراشاتك وأعلُ أكثر.. أكثر من كرملٍ.. ولامس وجنةَ جليلك إذ هي سقف السماء الأخير. وفي لحظة اللقاء الإخيرة حلّ علينا الفراق المؤقت فقلت لي: الآن أذهب فأصمد.. فقلت لك أنت الآن تعود إلى البلاد وإلى قدسِ الساحل حيفا وأنا إلى مزاولة مزيدٍ من الإنتظار المفعم بالأمل أعود..
فإلى أن نلتقي لك مني البقاء على قيد الوطن ولي منك المزيد من الصمود والتقدم ..
