مرة أخرى، كلما تبدد الدخان وبرد لهيب النار والحرب، في الشرق الأوسط وعلى نطاق واسع، يحاول اللصوص والمجرمين من الأمريكيين وحلفائهم الأوروبيين وحكام إسرائيل إشعاله من جديد. وهذه المرة يستهدفون سوريا شعبًا وقيادة وأرضا أعينهم أوسع من ذلك بكثير لتشمل الأفق السياسي والإقليمي للمنطقة والعالم بدايتها سوريا وإيران وحزب الله ونهايتها كوريا والصين وروسيا.
أما الذرائع والحجج فهذه جاهزة باستمرار فكلما تقترب من درجة البرودة والسكينة يحاول مشعلو الحروب البحث في ايقاد الفتيل من جديد وهكذا، حفاظًا على مصالحهم السياسية والاقتصادية والعسكرية في بسط نفوذهم المتكامل على شعوب وخيرات المنطقة بالكامل وبالأساس البترول العربي.
ينتاب الشارع العربي في قرانا ومدننا حالة من الترقب والحذر مشحونة بالعزة والكرامة الرافضة للحرب بشكل عام، وعلى سوريا بشكل خاص بالرغم من التباينات في المواقف على ما يجري داخل الوطن السوري من صراع طوال أكثر من سنتين ونصف، حصد أرواح الألوف من الناس الأبرياء وغيرهم من مختلف الأعمار، وترك بصمات لا تمحوها الأيام والسنين من الخراب والدمار على نطاق واسع، مما عمق أزمة الاقتصاد السوري والمواطن وكافة شرائح الشعب. ناهيك عن محاولة القوى الأجنبية من الامبرياليين والصهيونيين وقوى إقليمية وعربية المعادية لتطلعات وأماني الشعب السوري في محاولة للقضاء على الدولة السورية بتفتيت وحدتها السياسية شعبًا وأرضا ووطنًا.
تحاول الإدارة الأمريكية والرئيس براك حسين اوباما "الحاصل على جائزة نوبل للسلام" -ولا ندري على ماذا مُنح مثل هذه الجائزة- بالتعاون مع أكثر القوى رجعية من عشاق الحرب وسفك الدم من الأوروبيين وحكام إسرائيل وبعض الأنظمة العربية العميلة على شاكلة تركيا والسعودية وقطر، إيهام العالم والرأي العام العالمي، وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة، بان توجيه عدد من الضربات الصاروخية إلى النظام السوري ومخازن السلاح الكيماوي والمواقع العسكرية والصاروخية السورية ما هي الا ضربات تأديبية تهدف إلى ردع النظام وتأديبه ومحاسبته (تثبيت التهمة باستعماله الأسلحة الكيماوية ضد شعبه والمدنيين خاصة) وان العالم الحر بزعامة أمريكا لن يسمح لا للنظام السوري "المجرم" ولا لغيره (طبعًا من الأنظمة التي لا تدور في فلك السياسة الأمريكية ومخططاتها العدوانية) وان هذا النوع من السلاح محرم دوليًا، ولكن يجري تصنيعه وبيعه والترويج له في الدول المتطورة والمنتجة مما يشكل مخالفة دولية. الم تزود وتتستر الولايات العدوانية على نظام صدام حسين في العراق عندما استعمله في محاربة الأكراد وخصومه السياسيين وكذلك في حربه المجنونة التي رسم فصولها وغزاها المستعمرين الأمريكيين والأوروبيين وبعض العرب المتأمركين ضد الثورة والنظام الجديد المعادي للاستعمار في إيران في أوائل الثمانينيات من القرن المنصرم. ألم تستعمل إسرائيل في حربها الدموية والإجرامية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة سنة 2006 سلاح الفسفور الأبيض المحرم دوليًا؟!
فالولايات العدوانية تتعمد من وراء حشد الأساطيل والجيوش وكل وسائل الحرب والدمار ان تزرع الخوف والرعب "باسم حماية المدنيين في سوريا والشرق الأوسط، وتطويع وتدجين الأنظمة بما يتلاءم مع سياستها ومصالحها ومخططاتها في بناء الشرق الأوسط الجديد تكون فيه إسرائيل هي صاحبة الشأن والأمر الناهي فيه.
*سيناريو حربي واحد*
منذ أكثر من أربعون عامًا والإدارة الأمريكية، تدعي وتستفرد لوحدها في مسألة الحل والربط في قضية الصراع العربي الفلسطيني والإسرائيلي، وبنت سياستها من أطراف النزاع بما يخدم ويتلائم مع مصالحها وليس مصالح شعوب المنطقة. وساعدت على تغليب الفرد أي إسرائيل العدوانية على مصالح المجموع من الدول والشعوب العربية. فيما تنكرت السياسة الأمريكية وحليفتها إسرائيل لكل رسائل السلام وأسس الحل العادل، بل واجهت الحكام العرب بان تعهدت على المكشوف بحماية آمن إسرائيل "المعتدى عليها من العرب" لدرجة ان أقامت التحالف الاستراتيجي معها مما عمق التعاون العسكري والاقتصادي مما جعلها أي إسرائيل تتفوق عسكريًا واقتصاديًا على مجموع العالم العربي.
مر على احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية المحتلة 46 عامًا. واندلعت حروب بين العرب والفلسطينيين وإسرائيل كثيرة، وخلال هذه الحقبة من الزمن مارست الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي سياسة الضغط والابتزاز على الأنظمة والشعوب العربية، ونتيجة للسياسة الاستعمارية والعدوانية للامبريالية العالمية والأمريكيين على وجه التحديد بأن حولوا منطقة الشرق الأوسط من منطقة خضراء قابلة للتطور والازدهار بفعل الثروات التي تحتويها هذه المنطقة، إلى منطقة وسوق لشراء وتوريد الأسلحة الفتاكة وجعلوا من شعوب المنطقة طعاما لمدافعهم ومحطة تجارب لأسلحتهم المتطورة والمحظورة دوليًا.
لماذا لا تساعد الدبلوماسية والسياسة الأمريكية الشعب السوري في استعادة ما تحتله إسرائيل الحليف الأقوى والاستراتيجي لها، من أراض سورية وبالأساس مرتفعات الجولان المحتلة مقابل سلام حقيقي وعادل، إذ كانت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية يهمها حقوق الإنسان بشكل عام وشعوب المنطقة والشعب الفلسطيني بشكل خاص. فلماذا لا يجري وضع حد لمأساة الفلسطينيين المتناثرين في بقاع الأرض وفي مخيمات اللجوء والفقر والجوع في دول الجوار، بالعودة إلى بيوتهم وأرضهم التي هُجروا منها قبيل 65 عامًا كي يمارسوا حياتهم تحت شمس الحق والحرية.
السياسة الأمريكية تبني على المصالح وبعيدة كل البعد عن النزاهة والصراحة والعدالة، فهي منحازة سياسيًا وطبقيًا لمصالح اللوبي الصهيوني ولكبار الساسة الأمريكيين ولشركات تصنيع وبيع السلاح وللمجمع الصناعي العسكري الأمريكي، ولهذا من غير المعقول والطبيعي ان تكون هذه السياسة عادلة ونزيهة في الملف العربي الفلسطيني والإسرائيلي. وكذلك في الشأن السوري والحرب الدائرة هناك، ان مصلحة الأمريكيين والإسرائيليين وكذلك الأوروبيين ليس حقوق الإنسان العربي في كل أنحاء الوطن العربي ولا حقوق المواطن الفلسطيني المشرد عن وطنه، وإنما مصلحة أعداء العرب ولصوص الحرب وتجار السلاح هو استمرار تدفق الدم العربي عامة وبغزارة كي يبقى تدفق النفط وثروات العربية لتصب في خانة الاقتصاد والشركات الأمريكية والأوروبية والبنوك الغربية.
ان أكثر القوى التي تنادي بالحرب وتوجيه الضربات لسوريا، هي تقريبًا نفس القوى التي سعت وخططت ونفذت الحرب والخراب والدمار على الشعب العراقي والأفغاني والليبي وغيره، وهي نفس السياسة التي استعملت في العراق وليبيا ويحاولون تطبيق نفس السيناريو في سوريا اليوم.
ان التحدي والدبلوماسية الروسية، لها الوزن الكمي والنوعي في تبديد أحلام الامبرياليين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحكام إسرائيل، وان قدرة الروس على تقديم كل أنواع الدعم للشعب السوري في التصدي للعدوان وإفشاله هو إدراك وحكمة الروس على تبديد الرؤس الحامية في الغرب على ان مصالح الشعوب فوق كل اعتبار وان حريتها جزء من حرية وتطور وازدهار الشعب الروسي والصيني، وان ما يربط الشعبين السوري والروسي اعرق وأعمق وامتن بكثير مما يفكر الأمريكيين والأوروبيين ومعهم الإسرائيليين وبعض العرب الأقزام.
نحن نأمل ان لا تندلع الحرب، لأننا نؤمن ان سياسة الحروب لا احد يجني منها الثمار سوى الدمار والخراب لكافة الأطراف. ولكن عندما تصل إلى حد الكرامة والسيادة الوطنية والقومية تتحول المعركة دفاع عن النفس يشترك فيها جميع المكونات لتصبح معركة الوجود والحضور والكرامة الوطنية.
(كويكات/أبوسنان)
