أعلم أن الاول من أيار ما زال بعيدا، وأنه على الساحة السياسية الاجتماعية الكثير من التطورات على المحك التي تستدعي الكتابة عنها لتأثيرها على حياتنا اليومية، ولكنني تعمدت الكتابة عن نضال العمال والاول من أيار الآن بالذات وليس في تاريخ أقرب لذكرى يوم العمال وذلك لسببين: الاول منهما حتى تثير ملاحظاتي دائرة نقاش حول الموضول لتصل القيِّمين والمسؤولين عن الأول من أيار منذ الآن - لربما حدث تغيير معين ولو بسيط في نهج التعامل مع هذا اليوم، وثانيا لأن نضال العمال هو نضال ثوري ويجدر الحديث عنه في كل ساعة وفي أي يوم فهو ليس احتكارا على الاول من أيار، فالعمال يعملون وتُنتهك حقوقهم ويُستعبدون بشكل يومي – الا يستدعي هذا الى أستحضار أوجاعهم والحديث عنها أيضا بشكل يومي؟ ولربما أكثر ما شدني للحديث عن الموضوع هو تلك الصورة التي لفتت انتباهي قبل عدة أيام لعامل وعاملة يقفان فوق أبنية أحد المصانع الشاهقة رافعين العلم الاحمر مبتسمين ابتسامة الانتصار وما أثارته في نفسي من حسرة وألم..
سأكذب لو قلت إننا نسينا نضال العمال – لا نحن لم ننسه، ففي كل عام في "عيد العمال" نتوجه الى الناصرة رافعين الاعلام الحمراء، نهنئ بعضنا في الاول من أيار "كل عام وأنتم بخير" ونحتفل، نستمع الى الخطابات والتي أحيانا تكون طويلة ومتعبة ثم نرجع الى بيوتنا، وفي اليوم التالي يتجه كل منا الى عمله وتبدأ عملية "المصارعة" بينه وبين المشغِّل: مشغِّل لا يدفع الحد الادنى من الاجر للساعة، لا يريد أن يحسب الساعات الاضافية، لا يدفع سفريات، شروط العمل غير آمنة، غير صحية، لا يريد أن يدفع إجازات، لا يريد أن يدفع للعامل مخصصات النقاهة، وغيرها من المشاكل التي لا تنتهي... يتنهي عيد العمال لنعد الى أماكن عملنا لنكتشف أن لا شيء تغير، والشعارات والمسيرة الحافلة بالرفاق لم ينتج عنها أي تغيير في واقع حياتنا اليومية.
أظن أن المشكلة تبدأ من استعمالنا لكلمة "عيد العمال" وليس "يوم العمال"، ان كلمة عيد توحي باحتفالات ونوع من إحياء ذكرى، وهدوء فيه جمالية الاعياد، في الاعياد لا تحدث المشاكل ولا تخلق النضالات، "عيد" معناه "احتفال"، نضحك ونبتسم ونلتقي برفاق قدامى.. لا أعلم بالضبط متى تحول الاول من أيار من يوم العمال – يوم نضالي – الى عيد العمال – يوم أحتفالي، ولكنني أظن أنه هنا بالضبط أضعنا معنى يوم العمال حين تحول من يوم يتجدد فيه النضال الى يوم إحياء ذكرى نضال..
برأيي المتواضع، يجب العمل بشكل جدي على إعادة الهيئة النضالية ليوم العمال، والابتعاد عن مظاهر الاعياد، فمع كل احترامي للقيِّمين على التحضيرات لمثل هذا اليوم ولكن المجسمات والمسيرة وحتى الشعارات لا تغير من واقع العمال شيئا، لا تجعل من حياتهم أفضل، لا تؤثر في مشغليهم ولا تحسن من ظروف عملهم.
علينا أن نعمل على أن يعود الاول من أيار ليكون يوما نضاليا، يوم غضب، فيه يُبنى برنامج سياسي لرفع نسبة الوعي لدى العمال لحقوقهم الاساسية في العمل، لتوعيتهم لأهمية اتحاد العمال في أماكن العمل، أن في اتحادهم قوة، لأساليب النضال ضد المشغل، في هذه اليوم على ممثلينا في الهيئات الرسمية رفع الشعارات في الهيئات للتذكير بحقوق العمال والنضال من أجلها، عليهم التواجد في كل مكان قررت (أو بعدها لم تقرر) فيه مجموعة من العاملين أن تتحد وتناضل من أجل حقوقها، توجيههم والانضمام الى نضالهم، ان أضربوا فلنضرب معهم، وان اعتصموا فلنعتصم معهم، لا أبالغ إن قلت إننا علينا إعلان الاضراب العام في يوم العمال، لنعيد له هيبته ووقاره، لنجعل منه يوما نساند فيد العامل بشكل فعلي وليس رمزي، لندخله الى الإعلام ليرى المشغلون قوة العاملين إن اتحدوا فيهابوها، وربما عندها في اليوم التالي عندما يذهب العامل الى عمله - وأشدد على ربما - سينال شيئا أو ربما شيئين من حقوقه المهضومة..
إن التحولات في سياسة الدولة الاسرائيلية من دولة بنيت على بعض الأسس "الاشتراكية" (أو هكذا خيل الينا في حينها) ودولة رفاه اجتماعي - الى دولة رأسمالية ودولة عالم ثالث تحركها قوى الامبريالية والرأسمالية العالمية هو تحول سريع جدا، ولا يخفى على الساحة العامة حيث نراه في كل شيء حولنا، تقليص الميزانيات لمؤسسات الضمان الاجتماعي، تقليص الميزانيات لسلة الادوية والمؤسسات الطبية العامة، تقليص مخصصات التأمين، خصخصة المؤسسات العامة، غلاء المعيشة مقابل ازدياد الحد الادنى للأجور – كل هذه الظواهر إن دلت فهي تدل على تغيير جذري في السياسة الاسرائيلية، تغيير سيضرب أولا وأخيرا طبقة الفقراء والعمال والكادحين، هؤلاء الناس الذين لا ناقة لهم ولا جمل في عدد الاغنياء أصحاب الملايين التي تزداد سنويا في إسرائيل، هؤلاء الذين تستغلهم قوى الرجعية لبناء مستقبل أفضل لها ولذريتها ولتحطيم مستقبلهم وذريتهم، هؤلاء الذين أنا وأنت - وعلى ما أظن كل قارئ لهذا المقال - منهم.
علينا الآن بالذات أن نصعد نضالنا ضد سياسة الافقار التي تمارسها الدولة ضدنا، ضد استغلال واستعباد العمال، علينا أن نجعل صوتنا يدوي ونضالاتنا جبارة ونرفع صوت العامل من جديد ليحتل مكانة مركزية في النقاش الاجتماعي السياسي في إسرائيل، علينا أن نعيد ليوم العمال هيبته الجبارة و لتدوي صرخاتنا من جديد – عاش الاول من أيار – يوم العمال الاحرار!
لكن، وللأسف، ان بقي الحال على ما هو عليه، وبقي الاول من أيار يوما احتفاليا فقط، وغيبت قضايا العمال عن الساحة العامة، ولم نبنِ برنامجا سياسيا كاملا لكيفية تجديد وتقوية نضالات العمال في أماكن عملهم ودعمها بالشكل الكامل، وضد سياسة الدولة الاقتصادية، لـيشغل هذا النضال حيزا مهما في وسائل الإعلام، فليس لدي إلا أن أقول للعمال – يا عمال العالم... الكو الله!
