صفقة الادعاء في قضية امير مخول جاءت من باب "مكره أخاك لا بطل"

single

*المحامي حسين أبو حسين تحدث لـ "الاتحاد" عن الظروف المحيطة بالقبول بالصفقة، وهو يضعها في السياق الراهن المعقد، قانونيًا وسياسيًا، مما يجعله "يحنّ حتى الى المحاكم العسكرية" ويدعو الى الحذر*

يتبيّن من الإحصائيات الرسمية الاسرائيلية أن نسبة الإدانة في القضايا الجنائية تتراوح ما بين 96-99%. وهي نسبة يعتبرها محامون وحقوقيون عالية جدًا، بل تخرج حتى عن إطار المعقول. للمقارنة، فإن نسبة الادانة الموازية في ولاية نيويورك الأمريكية تبلغ 50% فقط.
كذلك، فإن نسبة إدانة العرب أعلى بما لا يقارن من نسبة ادانة اليهود. هذا المعطى ورد في دراسات أكاديمية عدة، وكذلك في بحث صادر عن "مركز الأبحاث والمعلومات" التابع للكنيست وتم تقديمه قبل سنوات الى لجنة القانون، الدستور والقضاء البرلمانية. ومما جاء فيه حرفيًا: "إن نسبة إدانة العرب أعلى منها لدى اليهود وذلك في كل خانة ذات خلفية جنائية وفي جميع انواع المخالفات".
 هذا الوضع، وفقًا لمختصين، هو ما يفسّر الى حد كبير تفضيل الكثير من المتهمين في قضايا جنائية أن يوقعوا على صفقات ادعاء مع النيابة. "أما في القضايا الأمنية فلا أذكر أنني قرأت ولو مرة واحدة عن حالة تبرئة"، يقول المحامي حسين أبو حسين في حديث لـ "الاتحاد".
أبو حسين هو أحد محامي الناشط السياسي المعتقل أمير مخول، الذي تم التوصل، هذا الأسبوع، الى صفقة ادعاء في قضيته مع نيابة الدولة. المحامي يعتبر أن قرار التوصل الى صفقة ادعاء هو بمثابة أهون الشرور أو على سبيل "مكره أخاك لا بطل". لكن هناك عددًا من العوامل التي شكلت معًا دافعًا اضطراريًا لذلك. ويجب النظر الى نقاط الضعف والقوة في هذا الاطار.
وفقًا للائحة الاتهام هناك اعترافات خطية. صحيح أنها تتعلق بنقل معلومات لا تمتّ للسريّة بصلة، ولكن يجري تعريفها رسميًا كمعلومات سرية خطيرة. التعريف جزء من القضية. أما استخراج الاعترافات من المحقـَّق معهم فقد يجري بعدة طرق. منها الضغط، الابتزاز وغيرها. عمومًا يجري التحقيق في القضايا التي تعتبر أمنية في مسارين أو مرحلتين. الأولى يقوم بها محققو شرطة ومن ثم يأتي دور الشاباك، وهي المرحلة المركبة. أبو حسين يصف هذا التحقيق كـ "صراع عقول"، حيث أن المحققين لا يكشفون امام المحقق معه ما لديهم من معلومات، لأسباب عدة، أحدها الخشية من كشف مصادرهم الاستخباراتية. ويضيف: الأمر أشبه بتركيب "بازل" بواسطة عملية الاستجواب يتم من خلالها توجيه المحقّق معه الى أن يقول ما يُراد منه قوله. لقد جرّبوا هذا الأسلوب طيلة 62 سنة وهم يواصلون ملاءمته وفقًا لشخص وشخصية المحقق معهم، وغالبيتهم الساحقة، بالطبع، من العرب.
إذًا، وفقًا للائحة الاتهام بمقدور النيابة الاعتماد على حيثياتها وموادها، فلماذا تفضل صفقة ادعاء؟
أبو حسين: توجد لدى النيابة اعتبارات تفضل بموجبها الاعترافات على البيّنات الواردة في لائحة الاتهام. لأن هذا يمنحها إمكانية القول: إن المحكمة ادانت وحكمت وفقًا لاعترافات وبالتالي يتم تفادي الادعاءات بشأن استخدام وسائل تحقيق عنيفة او باطلة.
يؤكد طاقم الدفاع عن مخول أن المناخ السياسي السائد، وفي مركزه مدّ فاشي متصاعد خطير، هو احد الاعتبارات للقبول بصفقة ادعاء. في هذه الظروف يتم اطلاق "الشيطان الأمني" كما يسميه أبو حسين. ويضيف: هناك اليوم الكثير من الأحكام والقرارات والعقوبات القاسية. هناك سلسلة القوانين الفاشية ومشروع قانون قيد البحث يسعى لتحديد الحكم المؤبد في القضايا الأمنية، كحدّ أدنى! هذا المناخ يؤثر على جميع الأجهزة ومنها الجهاز القضائي. كذلك، فإن تعريف المخالفات الأمنية في قانون العقوبات فضفاض جدًا، ويمكن بموجبه اعتبار كل تصرّف بمثابة مس بالأمن.
أبو حسين يقول ما يلي لوصف خطورة الوضع: أحيانًا أحنّ الى المحاكم العسكرية التي اغلقتها اسرائيل عام 1992، وأقول هذا بكل مسؤولية. يومها أعلنت اسرائيل أنها دولة دستورية وانه لا مكان لمحاكم عسكرية فيها، فتمّ نقل القضايا الأمنية الى المحاكم المدنية. في السبعينيات والثمانينيات ومطلع التسعينيات كانت أمامنا ملفات كبيرة تنتهي خلال ستة أشهر. وكانت العقوبات أخف بكثير من العقوبات الراهنة. ومن مراجعة لقرارات المحاكم في القضايا الأمنية بعد اغلاق المحاكم العسكرية، وفي السنوات العشر الأخيرة حصرًا، يتبيّن ان عقوبات المحاكم المدنية صارمة وقاسية جدًا بشكل غير مبرّر. وهو يورد مثالا يجسّد هذا الوضع:
تمت مؤخرًا إدانة مجموعة من الشبان العرب في قضية أمنية. خلال الحرب على غزة قام شاب من احدى قرى الشمال بتصفح احد مواقع الدردشة على الانترنت. كان غاضبًا جدًا وظهر أمامه شخص لا يعرفه. تبادلا الحديث عن الحرب، وفي مرحلة ما اقترح عليه ذلك الشخص: تعال نساعد أهلنا، ودله على مواقع لصنع المتفجرات وأقنعه باستخدامها. هذا الشاب التقى مع شبان آخرين من احدى قرى المثلث وبدأوا بمحاولات لتركيب متفجرات. في مرحلة متقدمة تم القبض عليهم. الشخص الذي اوقعهم يكنّى "ابو قاسم". نحن لا نعرف من هو ولا هم يعرفونه. إنه شخص تلفه السريّة قام بحثّهم على القيام بالمخالفة من دون ان يتسنى الكشف عن هويته. وقد حُكم على هؤلاء الشبان حكم بعقوبات قاسية جدًا تراوحت ما بين 6-12 بالسجن!
أبو حسين يفسّر التشديد في العقوبات وفي  تزايد القضايا الأمنية بشكل كبير على أنها تقع ضمن استراتيجية مفادها التوجه الى الجماهير العربية في اسرائيل بالقول: لا تقتربوا الى أي أمر يتعلق بالأمن. وهو يحذر من أنه في ظل الانترنت والاتصالات الواسعة المتاحة، يوجد حيز كبير جدًا يمكن أن يتورط فيه أشخاص على لا شيء، على تفاهات!
أخيرًا، يقول ابو حسين: قارنْ بين مضامين المعلومات التي تتحدث لائحة الاتهام أن أمير نقلها (مثل وجود قسم تحقيق مع السجناء الأمنيين في أحد السجون أو موقع مصنع عسكري على شارع رئيسي وعليه لافتة تشير اليه!) وبين قضية المجندة السابقة عنات كام التي نقلت الى صحفيّ في "هآرتس" 2000 وثيقة عسكرية في غاية السرية.. 2000 وثيقة! هذه الشابة موجودة قيد الاعتقال المنزلي مع عائلتها، أما امير فهو مهدد بعشر سنوات من السجن. ففي جهاز القانون هناك هويات وسياسات، كما لو أن الجهاز ينقسم استعاريًا الى جهازين مختلفين. هناك رسائل سياسية توجّه عبر قنوات القانون والقضاء، مما يستدعي الكثير من الحذر.

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل رُوّضَت الشعوب العربية كحكّامها؟!

featured

شوارع اللد تكتسي بالعزة العربية

featured

القائد توفيق طوبي

featured

مجتمع العلم والمهارة

featured

إنه الاحتلال.. لا الإسلام

featured

من مؤخرة الدجاجة يخرجون قنابل مسيلة للدموع

featured

39 ليوم الأرض الخالد

featured

الأمريكان في كل مكان!