* الدستور العراقي الجديد يبطل قانون الأحوال الشخصية الموحد ويحيل النزاعات الأسرية إلى المحاكم الطائفية والقبلية والعشائرية *
لا تنبع أهمية كتاب الباحثتين نادية العلي العراقية ونيكولا براث الإنجليزية المعنون "أي نوع من التحرير؟ النساء واحتلال العراق" من قسوة الشهادات الحية والوقائع الموجعة التي ينقلها لنا ويحللها بنزاهة وموضوعية، ولكن لأنه يخوض أيضا في أرض ملغومة أنتجت الألغام فيها كثيرا من الأفكار الشائعة والتي كادت لكثرة التكرار والتأكيد عليها أن تتحول إلى مسلمات.
ففي ظل اللوثة التي أنتجتها نظرية "صراع الحضارات" بعد أن أطلقها رجل الأمن القومي الأمريكي الراحل "صامويل هنتنجتون" في مطلع التسعينات من القرن الماضي - إثر سقوط المنظومة الاشتراكية وبحث الرأسمالية - وهي في حالة زهو بنفسها - عن عدو جديد يحل محل الشيوعية قسم "هنتنجتون" العالم إلى معسكرين حضاريين مدعيا أن صراعا أبديا كان موجودا دائما بينهما وسوف يبقي، هما الحضارة المسيحية الغربية من جهة وحضارة الإسلام والكونغوشيوسية والمسيحية الشرقية من جهة أخرى، وأن الحضارة الأولى هي صنو الديمقراطية والتعدد والديناميكية أما الثانية فهي صنو الاستبداد والواحدية والجمود، وأن الصراع متواصل بينهما.
وانطلاقا من هذه النظرية الاستشراقية البائسة التي كان التاريخ الإنساني قد نقضها قبل أن يثبت الواقع المعاصر زيفها بين اليمين الأمريكي والمحافظين الجدد بدءا من حكم ريغين وصولا إلى بوش الابن ترسانة أفكار تضاف إلى ترسانة السلاح التي استندوا إلى صناعتها واستمدوا منها نفوذهم المالي والسياسي وقسموا العالم إلى معسكر للخير هو بطبيعة الحال معسكر الغرب ومعسكر الشر هو الشرق الجامد المتخلف في استعادة ساذجة لنظريات الاستشراق القديم الذي ارتبط بالحملات الاستعمارية في القرن التاسع عشر وانبعثت بعض أكثر أفكاره عنصرية وعداء للإنسانية مع استعادة الاستعمار العسكري لقوته ونفوذه إثر غزو أفغانستان والعراق في بداية القرن الواحد والعشرين.
وجرى بسرعة وضع الإسلام في مكان العدو بعد أن بانت شواهد عن تورط أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة في جريمة قصف برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن.
ويرفض هذا الكتاب الذي بين أيدينا رفضا كاملا يدلل عليه في الفكر والواقع للقول بأن كلا من الإسلام والثقافة مسؤولان عن القهر الواقع علي النساء العراقيات في ظل الاحتلال بل إن الاحتلال والاختيارات السياسية والاقتصادية للحكومات التي نشأت في ظله تتحمل وحدها وكليا مسئولية تدهور أوضاع النساء العراقيات وزيادة العنف ضدهن، وقد أدى تدهور الأوضاع العامة في البلاد وانهيار مؤسسات الدولة بعد إجراءات استئصال حزب البعث الذي خرجت منه الكفاءات الإدارية التي شغلت هذه الدولة على امتداد عقود هو الذي أنتج فراغا أدى إلي بروز النزعات الطائفية الدينية والعرقية وانتعاش القبلية والعشائرية والعائلة الممتدة علي حساب المواطنة الجامعة التي تشمل كل العراقيين بصرف النظر عن الجنس واللون والطائفة والعرق.
وإن كان هذا الواقع الجديد الذي ترتب علي الاحتلال قد فتح الباب أمام زيادة معاناة النساء بسبب استخدام كل الفرق والطوائف والميليشيات للإسلام لكي يحصلوا علي المشروعية، وقد سبق لصدام حسين أن استخدم الإسلام بدوره لأغراض مشابهة وتفاقم الآن تأثير الأفكار الدينية المحافظة ليعكس في الموقف الرجعي من المرأة وحقوقها - وهو الحال مع كل الديانات التي عرفتها البشرية - كما تحرص الباحثتان على التأكيد، وهما تتوقفان أمام المادة 41 من الدستور العراقي الجديد والتي لا تزال موضوع جدل لأنها تزيح قانون الأحوال الشخصية الموحد الذي كان قد صدر عام 1959 وينطبق على كل العراقيين وتحيل المادة النزاعات الأسرية إلى المحاكم الخاصة بكل طائفة أو قبيلة أو عشيرة، وقد انتقدت الباحثتان هذه المادة التي تزيد المجتمع العراقي تفكيكا بعد أن كان الفقر وسوء التغذية والبطالة والهجرة الداخلية - 2 مليون مهاجر - وما يقارب المليون أرملة قد فعلت جميعا فعلها وهو ما كان قد بدأ أثناء سنوات الحصار الذي فرضته البلدان الاستعمارية علي العراق بعد حرب تحرير الكويت.
ليس الإسلام إذن ولا هي التقاليد العراقية أو الثقافة ولا ما يسمي بـ"العقل العراقي" كما يقال هي التي حطمت بنية المجتمع العراقي وأجهزة الدولة مما أدى إلى زيادة العنف ضد النساء وتفاقم ظاهرة جرائم الشرف التي كانت قد كادت أن تختفي من المجتمع العراقي.. إنه الاحتلال.. الاحتلال إذن وليس الإسلام.
