.. زعتر أمِّي البلديُّ

single
عندما جاء وقتُ الصُّعود بالمركبة ذات العجلات النَّاريَّة التي تقودها خيولٌ ناريَّة، وعلى متنها والدتي أمُّ خالد، إلى العلياء الأبديَّة، من فوق منطقة ساحل حيفا إلى قمَّة الكرملِ، عصفَت بجوارحي وعواطفي ومحيطي عاصفةٌ أليمةٌ ومؤلمةٌ ملؤها الدُّموع والحسرة والآهات والعجز عن الاعتراض، وأتى ذلك البُدُّ اللعين الذي لا بُدَّ منه، وذلك الحقُّ المكروه على كلِّ إنسانٍ في هذه المعمورة، كنتُ على يقين أنَّ هذا الأمر، سيترك في حياتي فراغًا كبيرًا، يُضاهي في كِبَره كِبَرَ الدُّنيا بكلِّ أصقاعها ونواحيها وضواحيها، ويُبقي هذا الحيِّز الهائل فيَّ جرحًا صعب الالتئام ودائم الإيلام! ففي يومٍ واحدٍ لا ثانيَ له أصبحتُ يتيم الأمِّ..
وحين حان هذا الآنُ، أدركتُ أنَّني لن أرتشفَ معها قهوتها بعدُ، على شرفة المنزل المطلَّة على الشَّارع الرَّئيسي، نرقب حركة النَّاس والسَّير في الشَّارع، ولن أفطرَ من خبزها وزعترها، الذي كانت تشتريه من الحِسبة وتُحضِره إلى البيت وتحضِّره وتُتبِّله بأسلوبٍ خاصٍّ وبعناية وذوق رفيعيْن لتجعل منه زعترًا ملوكيًّا، فريدًا ومميَّزًا ليس له مثيل أو منافس، كيف لا وهو زعتر أمِّي البلديُّ، وأيقنتُ أيضًا، أنَّها لن تطهو لنا بعد اليوم طهيها اللذيذ الذي لا يتقنه أحدٌ غيرها، ولن نأكل سويَّةً الكُبَّة النَّيِّئة كما هي عادتها غذاء اليوم الأوَّل من كلِّ عيد "من تحت إيديها"، أو طعام الغذاء قبل ذهابي إلى عملي في العيادة، ولن أجلسَ، بعد اليوم، في حضرتها،ألامس يديْها وخدَّها ونتفاكه وأحكي لها شجوني وأشجاني وأقصُّ عليها أحداث ذلك النَّهار، وأخبار كلِّ أحفادها منِّي ومن أخواتي ونتسامر حتَّى هزيع الليل، حيث لا نعلم كيف هبط علينا في ساعات الليل المتأخِّرة، فتستيقظ أمُّ خالد من سمرِها وانسجامها لتقولَ لي: يا الله يمَّا روِّح بُكرا بدَّك تفيق بكِّير.
حادثٌ جللٌ ومصابٌ أليمٌ ألَمَّ بوالدي وأخواتي وبي وبعائلتي، لكنَّ المواساة الحميميَّة الطَّيِّبة في المشاركة الواسعة والمشاعر الدَّافئة التي أُحِطْنا وغُمِرنا بها وحُضِنَّا بحضنِها وأخذَتْنا بين ذراعيْها، والتي واكبت موكب رحيلِ الجسد وما بعده، من ذوي القُربى والرِّفاق والأصدقاء والجيران والمعارف من مختلف مناطق الوطن، الذين أتوا لمشاطرتنا حزننا وتخفيف فاجِعَتنا وفقداننا لحبِّنا "الباقي إلى الأبد"، أثلجت صدرنا،بأنَّ الانسان ما زال إنسانًا وأفرجَت كرْبنا الأسير في أقفاصنا بأنَّ البشر ما فتئوا بشرًا وأزالت كروبنا عن كواهلنا، وأخفضَت من حدَّة غمِّنا وأنستنا همَّنا، ولو لفترة قصيرة، لقد حضروا ليقولوا لنا: لستُم وحدَكم في مصابكم، نحن معكم فيه، هاتوا لنحمل هذا الحِمل سويَّةً..
آمل أنِّي كنتُ لأمِّي ابنًا صالحًا، صادقًا، مخلِصًا، بارًّا، سهلاً، مطيعًا، محبًّا ومُحسِنًا، كما آمل أنَّها كانت راضيةً عنَّي وسعيدةً بي، حيث يقول الحديث الشَّريف: يؤخِّر الله من الذُّنوب ما شاء، إلى يوم القيامة، إلا عقوق الوالدين فإنَّ الله يعجِّله لصاحبه في الحياة قبل الممات.
 ما زال شعبنا بألف خير، مشكورًا ومحمودًا بعاداته الحميدة الاجتماعيَّة والتَّواصليَّة، في الأفراح والأتراح، حيث تقرِّب القلوب وتفرج الكروب وتُعيد ربط أوصال النَّاس  من الأقرباء والأصدقاء والرُّفقاء، وتذكِّر البعضَ بوجوب رضوان الوالدين، وإكرام الأب والأمِّ وبالإحسان للوالدين..
قد يهمّكم أيضا..
featured

رأي: آن أوان مغادرة الكنيست

featured

عندما يهون الهوان

featured

جنون الجغرافيا وتوحش التاريخ

featured

من الذي يمتلك العالم؟ (4)

featured

بين "اليسار الصهيوني" واليسار المناهض للصهيونية (3)

featured

لا بدَّ من تعريب الكنيسة الأرثوذكسية

featured

تقرير آخر سيطويه النسيان